هبة زووم – أحمد الفيلالي
تدخل جهة الدار البيضاء-سطات غمار الانتخابات التشريعية بواحدة من أكثر الخرائط الانتخابية ازدحاماً، بعدما اختارت عشرات اللوائح خوض السباق في دوائر لا تتسع، بحكم عدد مقاعدها، إلا لعدد محدود من الفائزين.
المشهد في ظاهره يعكس تعدداً كبيراً في العرض الانتخابي، لكنه في عمقه يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل نحن أمام منافسة سياسية حقيقية تتأسس على البرامج والكفاءات والحصيلة، أم أمام سباق محموم نحو مقاعد البرلمان؟
في الفداء-مرس السلطان، تتنافس 19 لائحة على ثلاثة مقاعد، بينما تخوض 17 لائحة المنافسة في ابن مسيك على العدد نفسه من المقاعد، في حين ترفع مولاي رشيد سقف المنافسة إلى 20 لائحة على ثلاثة مقاعد.
ثلاث دوائر فقط تكشف حجم الازدحام الانتخابي، وتضع الأحزاب والمرشحين أمام امتحان لا يمكن حسمه باللافتات والشعارات وحدها. فحين تتعدد اللوائح بهذا الشكل، يصبح السؤال الحقيقي هو: من يمتلك القدرة على تقديم عرض سياسي يقنع الناخب، وليس فقط القدرة على خوض الحملة؟
ولا تقل باقي دوائر الدار البيضاء سخونة، إذ تتوزع الرهانات بين عين الشق، وعين السبع-الحي المحمدي، والحي الحسني، وسيدي البرنوصي، في ظل تنافس بين قوى تسعى إلى الحفاظ على مواقعها، وأخرى تراهن على اقتحام دوائر ظلت لسنوات مرتبطة بأسماء وتنظيمات بعينها.
وتخصص أربعة مقاعد لعين السبع-الحي المحمدي، مقابل ثلاثة مقاعد لكل من عين الشق والحي الحسني وسيدي البرنوصي، ما يجعل كل دائرة أمام حساباتها الخاصة، وكل حزب أمام اختبار مدى قدرته على تحويل حضوره الانتخابي إلى تمثيلية فعلية.
لكن المعركة لا تتوقف عند حدود العاصمة الاقتصادية، ففي النواصر، تتنافس 20 لائحة على ثلاثة مقاعد، بينما لا تتجاوز حصة مديونة مقعدين، في مشهد يجعل المنافسة أكثر ضراوة داخل دائرة محدودة المقاعد.
وفي بنسليمان، تخوض 17 لائحة السباق على ثلاثة مقاعد، بينما تعرف برشيد مشاركة 21 لائحة على أربعة مقاعد، أما سطات، فتقدم واحدة من أكثر صور الازدحام الانتخابي وضوحاً، بـ24 لائحة تتنافس على ستة مقاعد.
وهنا تحديداً، لا يتعلق الأمر بمجرد رقم انتخابي، بل بمؤشر على حجم الرهانات التي تحيط بالمقعد البرلماني. فكل لائحة تدخل السباق وهي مطالبة بتفسير وجودها للناخب، وتقديم برنامج قابل للنقاش، وكشف ما الذي ستضيفه للمدينة والإقليم والجهة في حال الوصول إلى البرلمان.
وفي الجديدة، تتنافس 18 لائحة على ستة مقاعد، بينما تخوض 19 لائحة في سيدي بنور السباق على أربعة مقاعد، في منافسة تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع الحضور المحلي للمرشحين وشبكات المنتخبين والامتداد التنظيمي للأحزاب.
أما المحمدية، فتدخل بدورها المنافسة على ثلاثة مقاعد، في سباق يجمع بين قوة التنظيم الحزبي والحضور الميداني وقدرة المرشحين على استقطاب أصوات الناخبين.
لكن وسط هذا الكم الهائل من اللوائح، يبقى هناك سؤال لا يمكن للأحزاب والمرشحين الهروب منه: ماذا سيقدم كل واحد منهم للناخب حتى يختاره؟
فالناخب لم يعد أمام اسم أو اسمين، بل أمام عشرات الأسماء واللوائح، وبالتالي فإن مجرد الانتماء الحزبي أو امتلاك شبكة انتخابية لا ينبغي أن يكون بديلاً عن البرنامج والحصيلة والقدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين.
كما أن كثرة اللوائح لا تعني بالضرورة تعددية سياسية قوية؛ فقد تكون مؤشراً على تعدد الخيارات، لكنها تضع في الوقت نفسه الأحزاب أمام مسؤولية أكبر في توضيح الفوارق بين البرامج والأشخاص، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مجرد مهرجان للوعود وصراع على المواقع.
وفي النهاية، لا يمكن لأي لائحة أن تحجز مقعداً مسبقاً في البرلمان، مهما كان حجم حضورها أو قوة أسمائها، المقاعد محدودة، واللوائح كثيرة، والكلمة الأخيرة تبقى للناخب وصندوق الاقتراع.
والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الصور المعلقة ولا في حجم التجمعات الانتخابية، وإنما في سؤال أبسط وأكثر صعوبة: هل استطاع المرشح أن يقنع المواطن بأنه يستحق صوته؟ ذلك هو الامتحان الذي لا يمكن أن تحسمه الحملات ولا التزكيات ولا الحسابات الحزبية، بل تحسمه الإرادة الانتخابية يوم الاقتراع.
تعليقات الزوار