الرشيدية.. “مول البوق” يورّط كراوي؟ إساءة انتخابية تهز حملة الحمامة وتضع وكيل اللائحة أمام المسؤولية
هبة زووم – الرشيدية
لم تعد واقعة العبارة النابية التي صدرت عبر مكبر صوت سيارة انتخابية بالجرف مجرد “زلة لسان” عابرة في حملة انتخابية محتدمة، بعدما بدأت تداعياتها تتجاوز الشخص الذي ظهر صوته في التسجيل، لتضع وكيل لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم الرشيدية، موحى كراوي، أمام أسئلة سياسية وأخلاقية صعبة حول طريقة تدبير حملته ومسؤولية قيادة فريق انتخابي عن سلوك أفراده.
فالفيديو المتداول، الذي يظهر سيارة للحملة وهي تروج لمرشح الحزب، قبل أن يتحول مكبر الصوت إلى وسيلة للرد بعبارة نابية على مواطن محتج، فجّر موجة من الغضب محلياً، وفتح الباب أمام دعوات إلى تحميل المسؤولية للجهة المشرفة على الحملة، خصوصاً أن الواقعة لم تحدث في فضاء خاص، وإنما أثناء نشاط انتخابي يفترض أن تحكمه قواعد التنافس والاحترام.
وبالطبع، لا يمكن نسبة العبارة إلى كراوي شخصياً ما لم يثبت أنه صاحب الصوت أو أنه أصدر تعليمات بذلك، لكن السؤال السياسي مختلف: إلى أي حد يتحمل وكيل اللائحة مسؤولية ما يصدر عن فريق حملته، ومنظمي أنشطته، والأشخاص الذين يتحركون باسمه وتحت راية الحزب؟
وهنا تكمن صعوبة الموقف بالنسبة إلى كراوي، الذي لا يخوض الانتخابات باعتباره اسماً عادياً داخل اللائحة، بل بصفته وكيلاً للائحة الأحرار بإقليم الرشيدية، وقد سبق أن أشارت تغطيات انتخابية إلى أن رهانه لا ينفصل عن الامتداد المحلي والقبلي، وخاصة داخل أيت خباش، باعتبارها إحدى مناطق النفوذ التي تحضر بقوة في الحسابات الانتخابية بالإقليم.
لكن المفارقة أن الرهان على الخزان الانتخابي نفسه قد يتحول إلى مصدر ضغط إذا انتقلت الواقعة من مجرد جدل حول سلوك فردي إلى أزمة ثقة بين الحملة وشرائح من الناخبين.
وتتداول أوساط محلية، وفق المعطيات المتداولة، حديثاً عن توجه داخل أيت خباش، ولا سيما في بوذنيب، نحو عدم التصويت لكراوي ودعم مرشح من أبناء المنطقة، وهذا المعطى، في غياب إعلان موثق أو موقف رسمي واضح، لا يمكن اعتباره قراراً جماعياً نهائياً، لكنه يكشف على الأقل عن وجود توتر انتخابي يستحق التوقف عنده.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن واقعة الجرف تأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى مرشح الحمامة، لأن المشكلة بالنسبة إليه لا تتعلق فقط بما قيل عبر مكبر الصوت، وإنما بكيفية إدارة الحملة ومنع تحول الاحتكاكات الفردية إلى كلفة سياسية يتحملها المرشح نفسه.
فالمواطن الذي يتلقى خطاباً انتخابياً لا يميز دائماً بين “مول البوق” وبين المرشح، خصوصاً عندما تتحرك السيارة واللافتات والشعارات والصور كلها باسم الحزب والمرشح، ومن ثم فإن أي تجاوز صادر عن أحد أفراد الحملة يمكن أن يتحول، سياسياً، إلى سؤال موجه إلى القيادة التي تتحمل مسؤولية اختيار من يمثلها في الميدان وتحديد قواعد السلوك الانتخابي.
والأكثر إحراجاً أن الرسالة التي يفترض أن تصل إلى الناخب خلال الحملة هي رسالة البرامج والحصيلة والالتزام، لا الشتائم الشخصية. فإذا كان المرشح يطلب ثقة المواطن، فإن أول اختبار لهذه الثقة هو كيفية التعامل مع المواطن الغاضب أو المعترض أو الرافض.
وهنا يصبح السؤال موجهاً مباشرة إلى كراوي: هل سيكتفي بالنأي بنفسه عن العبارة، أم سيتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية باعتباره وكيل اللائحة، ويفتح تحقيقاً داخلياً لتحديد هوية صاحب الصوت وترتيب الآثار المناسبة إذا ثبتت الواقعة؟
فالصمت في مثل هذه الحالات لا ينهي الأزمة، بل قد يسمح لها بالتمدد، خصوصاً في بيئة انتخابية صغيرة تتناقل فيها مقاطع الفيديو والتسجيلات بسرعة، وتتحول فيها واقعة محلية إلى قضية انتخابية في ظرف ساعات.
كما أن الحديث عن “التصويت العقابي” الذي بدأ يتردد في أعقاب انتشار الفيديو ينبغي أن يبقى، صحفياً، منسوباً إلى أصحاب هذا الطرح، لا إلى الجريدة، أما بالنسبة إلى الناخبين، فإن تقييم أي مرشح يظل مرتبطاً بما يقدمونه من برامج وحصيلة ومواقف، وليس فقط بواقعة واحدة أو بحسابات الانتماء.
لكن بالنسبة إلى كراوي، فإن الواقعة تطرح بالفعل امتحاناً إضافياً في حملة تبدو حساباتها معقدة، خاصة مع ما يثار حول طبيعة موقف بعض مكونات أيت خباش في بوذنيب، وقد سبق أن وثقت تغطيات انتخابية تاريخية حضور أيت خباش كقوة انتخابية قادرة على الالتفاف حول مرشح من أبنائها، ما يؤكد أن العلاقة بين الانتماء المحلي والحسابات الانتخابية ليست تفصيلاً هامشياً في المنطقة.
وبذلك، فإن “مول البوق” قد يكون صاحب العبارة، لكن المسؤولية السياسية عن طريقة اشتغال الحملة أكبر من صاحب الميكروفون وحده، فهل يخرج كراوي لتوضيح موقفه، والاعتذار باسم حملته إن ثبتت الإساءة، ومحاسبة من تجاوز حدود التنافس الشريف؟ أم أن الواقعة ستبقى مجرد فيديو آخر في ذاكرة حملة انتخابية، بينما تتراكم تداعياتها في الجرف وبوذنيب وأيت خباش؟
الانتخابات في النهاية لا تُدار بمكبرات الصوت، ولا تُحسم بالشتائم، وإنما بثقة المواطن. وهذه الثقة، متى اهتزت، لا تعالجها كثرة السيارات ولا ارتفاع الصوت.