توقيف “دين ودنيا”.. هل ضاق هامش التعبير حين دخل الصوت الديني إلى صندوق الاقتراع؟
هبة زووم – الرباط
هل أصبح الحديث عن الانتخابات، حين يصدر عن رجل دين، أكثر حساسية من حديث السياسي والإعلامي عنها؟ وهل بات إبداء الرأي في قيمة الصوت الانتخابي مجالاً يستوجب العقاب متى ارتبط بخطاب ديني، حتى وإن تعلق الأمر بمبدأ عام حول الأمانة والمسؤولية؟
السؤال يفرض نفسه بقوة عقب القرار المنسوب إلى المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، والقاضي بتوقيف برنامج “دين ودنيا” الذي يبث على إذاعة “شدى إف إم” لمدة شهر، على خلفية تصريحات أدلى بها الشيخ عبد الرحمن السكاش خلال إحدى حلقات البرنامج، قال فيها إن صوت الناخب أمانة، وإن الناخب سيُحاسب أمام الله إذا منح صوته لشخص فاسد أو سارق لا يستحقه.
وبعيداً عن تفاصيل القرار وأساسه القانوني، فإن القضية تفتح نقاشاً أوسع بكثير من مجرد توقيف برنامج إذاعي. إنها تضع على الطاولة سؤالاً جوهرياً يتعلق بحدود التعبير خلال الفترة الانتخابية، وبالمعيار الذي يفصل بين التوعية السياسية وبين التأثير غير المشروع على اختيارات الناخبين.
فإذا كان المقصود هو حماية العملية الانتخابية من الدعاية غير القانونية أو استغلال المنابر الإعلامية والدينية للتأثير على الناخبين، فإن المبدأ يفترض أن يكون واضحاً ومطبقاً على الجميع، بصرف النظر عن صفة المتحدث أو المنبر الذي يتحدث من خلاله.
لكن الإشكال يبدأ عندما يشعر المواطن بأن هامش التعبير يختلف باختلاف هوية المتحدث. فالإعلامي يناقش الانتخابات، والسياسي يدافع عن حزبه ويهاجم خصومه، والمحلل يفكك البرامج والمرشحين، بينما يصبح الحديث عن المسؤولية الأخلاقية للصوت الانتخابي، عندما يصدر عن رجل دين، موضوعاً يستدعي توقيف برنامج كامل لمدة شهر.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن خطاب انتخابي بعينه، ولا بمنح أي طرف حقاً استثنائياً في التأثير على الناخبين، وإنما بطرح سؤال المعيار: أين تبدأ المخالفة الانتخابية وأين ينتهي التعبير المشروع؟
فالقول إن صوت الناخب أمانة، والدعوة إلى عدم منحه لمن لا يستحقه، يمكن أن تُقرأ باعتبارها موقفاً أخلاقياً عاماً، لكنها قد تُفهم أيضاً، بحسب السياق وطريقة تقديمها، باعتبارها خطاباً مؤثراً في الاختيار الانتخابي. والفصل بين القراءتين يحتاج إلى تعليل قانوني واضح، لا إلى الاكتفاء بالجزاء وحده.
كما أن توقيف برنامج لمدة شهر ليس إجراءً بسيطاً؛ فهو يمس وسيلة إعلامية وبرنامجاً له جمهوره، ويطرح بالتالي ضرورة معرفة طبيعة المخالفة بدقة، والعبارات التي اعتُبرت تجاوزاً، والأساس القانوني الذي بُني عليه القرار، والمعيار الذي يتم تطبيقه على باقي البرامج والمنابر خلال الفترة الانتخابية.
المطلوب هنا ليس إطلاق الأحكام، وإنما ضمان وحدة المعيار، فإذا كانت الهيئة تسعى إلى حماية حياد الإعلام ومنع استغلاله انتخابياً، فإن الأمر ينبغي أن يشمل كل الخطابات المؤثرة في الناخبين، سواء صدرت عن رجل دين أو سياسي أو صحافي أو محلل أو أي فاعل آخر.
أما أن يشعر المواطن بأن الانتخابات تصبح منطقة شديدة الحساسية كلما اقترب منها خطاب ديني، بينما تُترك مساحات واسعة من النقاش السياسي اليومي للمزايدات والهجمات الحزبية، فذلك كفيل بفتح نقاش مشروع حول حدود السلطة التنظيمية للهيئة وحول مفهوم حرية التعبير في زمن الانتخابات.
في النهاية، لا يحتاج الناخب المغربي إلى وصاية جديدة، بقدر ما يحتاج إلى معلومات واضحة، وخطاب سياسي مسؤول، وإعلام يحترم القانون، وهيئات تنظيمية تطبق المعايير نفسها على الجميع.
فالانتخابات ليست فقط يوم الاقتراع، بل هي أيضاً امتحان لقدرة المؤسسات على حماية حرية التعبير ونزاهة المنافسة في الوقت نفسه. وعندما يُتخذ قرار بتوقيف برنامج، فإن السؤال المشروع لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا عوقب هذا البرنامج؟ بل أيضاً: هل يُطبَّق المعيار ذاته على كل من يتحدث عن الانتخابات ويؤثر في اختيارات الناخبين؟