العسري يرفع سقف التصعيد ويطالب بإلغاء نتائج طنجة وفتح تحقيق شامل ويؤكد تموقع مكونات اليسار في المعارضة
هبة زووم – الدار البيضاء
لم تعد تداعيات انتخابات 23 شتنبر بدائرة طنجة–أصيلة مجرد خلاف انتخابي عابر بين مرشحين وأحزاب، بعدما تحولت واقعة مدرسة القدس إلى ملف قضائي تتسع فصوله، بالتوازي مع تصعيد سياسي يقوده جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وعضو تحالف اليسار.
العسري لم يكتفِ بتسجيل ملاحظات حول سير الاقتراع، بل طالب بإسقاط اللوائح المعنية وفتح تحقيق شامل وترتيب المسؤوليات على كل من تثبت صلته بالخروقات. كما ذهب، وفق مواقفه المعلنة، إلى المطالبة بإلغاء نتائج الدائرة برمتها إذا ثبت أن المخالفات أثرت في النتيجة.
وتكتسب هذه المطالب ثقلاً إضافياً بعدما أعلنت النيابة العامة فتح بحث قضائي في واقعة ضبط شخص داخل محيط مدرسة القدس وبحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية.
وتطور الملف لاحقاً إلى توقيف مشتبه فيهم وإحالتهم على قاضي التحقيق، فيما أعلنت وزارة الداخلية أيضاً إيفاد لجنة تفتيش مركزية إلى طنجة للتحقيق إدارياً في خروقات مرتبطة بمكتبين للتصويت.
من تأخر اجتماع السلطة إلى انفجار يوم الاقتراع
بحسب رواية العسري، فإن التوتر لم يبدأ داخل مكاتب التصويت، وإنما سبق يوم الاقتراع، بعدما انسحب مرشحو تحالف اليسار من اجتماع مع ممثل السلطة بسبب ما وصفه بتأخر انطلاقه عن الموعد المحدد.
العسري قدم الواقعة باعتبارها مسألة مرتبطة باحترام المرشحين والمواطنين، وربطها بما اعتبره لاحقاً مؤشراً على طريقة تعامل السلطات مع ملاحظات ومخالفات انتخابية.
لكن هذه الرواية تظل موقفاً سياسياً يحتاج، شأنه شأن أي رواية مقابلة، إلى التحقق من خلال المعطيات الرسمية والوثائق والشهادات ذات الصلة.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الخلافات التنظيمية والسياسية إلى شكوك تمس جوهر العملية الانتخابية: من يضمن تكافؤ الفرص؟ ومن يراقب احترام قواعد المنافسة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول المخالفات المفترضة إلى وقائع موثقة؟
مدرسة القدس.. الواقعة التي نقلت الملف إلى القضاء
الحدث الأكثر حساسية يظل مرتبطاً بمدرسة القدس بطنجة، ففي يوم الاقتراع، تم ضبط شخص بحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية، وهو ما دفع النيابة العامة إلى فتح بحث قضائي لتحديد حقيقة الواقعة وظروفها وترتيب الآثار القانونية المناسبة.
ولم يتوقف الأمر عند فتح البحث، فبحسب بلاغ لاحق للنيابة العامة، أسفرت الأبحاث الأولية عن توقيف خمسة مشتبه فيهم، بينهم رئيسا مكتبي تصويت ونائباهما وشخص آخر، قبل إحالة أربعة منهم على قاضي التحقيق مع ملتمس إيداعهم رهن الاعتقال الاحتياطي.
وهنا تحديداً يصبح التعامل مع الملف بمنطق التراشق السياسي غير كافٍ، فالواقعة لم تعد مجرد تدوينة أو اتهام انتخابي متبادل؛ بل أصبحت موضوع مسطرة قضائية، ما يعني أن السؤال لم يعد فقط: ماذا يقول هذا الحزب أو ذاك؟ بل أصبح: من أين جاءت الأوراق؟ كيف وصلت إلى المكان؟ من سمح بخروجها أو حيازتها؟ وما مدى تأثير ذلك على سلامة الاقتراع؟ وهي أسئلة لا يجيب عنها الخطاب السياسي، وإنما نتائج التحقيق والمحاكمة والوثائق الرسمية.
المال والموارد والمقدسات.. اتهامات ثقيلة تحتاج إلى أدلة
العسري تحدث كذلك عن استعمال المال الانتخابي، واستغلال بعض المؤسسات والممتلكات الجماعية، وتوظيف الرموز الدينية خلال الحملة الانتخابية.
وهي، إن ثبتت، ليست تفاصيل هامشية، لأنها تمس مبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة المنافسة، وتستوجب ترتيب المسؤوليات وفق القانون، لكن الخط الفاصل بين الادعاء السياسي والواقعة الثابتة يجب ألا يضيع وسط ضجيج الانتخابات.
فلا يمكن اعتبار كل اتهام حقيقة لمجرد أنه صدر عن زعيم حزبي، كما لا يمكن إسقاطه من الحساب لمجرد أنه اتهام سياسي. الطريق الطبيعي هو التحقيق، وفحص الأدلة، والاستماع إلى الأطراف، ومقارنة الروايات بالوثائق والمحاضر والمعطيات الميدانية، وهذا تحديداً ما يجعل فتح البحث القضائي في ملف مدرسة القدس نقطة مفصلية في القضية.
المحاضر.. الوجه الآخر لأزمة الثقة
العسري أثار أيضاً مسألة محاضر التصويت، وقال إن ممثلي تحالف اليسار واجهوا صعوبات في الحصول عليها، كما تحدث عن منع وكيل اللائحة من دخول مقر الولاية، بحسب روايته.
وهذه نقطة لا تقل أهمية عن الأوراق الانتخابية نفسها، فالانتخابات لا تنتهي بمجرد إغلاق الصندوق. إنها سلسلة مترابطة من الإجراءات، تبدأ بالتحضير والاقتراع وتنتهي بالفرز وتحرير المحاضر وإعلان النتائج.
وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يفتح باباً مشروعاً للتساؤل، لكن إثبات وجود الخلل ومسؤوليته يحتاج إلى وثائق رسمية، لا إلى الانطباعات وحدها.
هل يكفي تحميل المسؤولية لمكاتب التصويت؟
من أكثر النقاط إثارة في موقف العسري رفضه، بحسب تصريحاته، اختزال المسؤولية في أعضاء مكاتب التصويت، وهنا يطرح النقاش سؤالاً مشروعاً: إذا ثبت وجود خروقات منظمة أو إخلالات تتجاوز الأخطاء الفردية، فأين تتوقف مسؤولية الأشخاص الذين نفذوا الفعل، وأين تبدأ مسؤولية من كان يفترض فيه الإشراف والمراقبة والتدبير؟
لكن الجواب لا ينبغي أن يكون سياسياً مسبقاً، المسؤولية، أياً كان مستوى صاحبها، يجب أن تبنى على الفعل الثابت والدليل والاختصاص والعلاقة المباشرة بالواقعة.
وهذا ما يجعل التحقيق الشامل، إذا توفرت أسبابه القانونية، أكثر أهمية من تبادل الاتهامات أمام وسائل الإعلام.
مطلب إلغاء نتائج الدائرة.. سقف مرتفع ينتظر الحسم القانوني
العسري رفع سقف المطالب إلى مستوى إلغاء نتائج دائرة طنجة–أصيلة، وهو مطلب يتجاوز إسقاط لائحة أو مقعد إلى التشكيك في سلامة النتائج على مستوى الدائرة بأكملها، غير أن إلغاء النتائج لا يمكن أن يتحول إلى نتيجة تلقائية لمجرد وجود مخالفة أو فتح تحقيق.
المعيار الحاسم هو ما ستثبته الجهات المختصة، وما إذا كانت المخالفات ثابتة ومؤثرة في النتائج، وما يترتب قانوناً عن ذلك، بمعنى آخر: وجود خرق محتمل شيء، وإثبات تأثيره في النتيجة شيء آخر.
ومن هنا تأتي أهمية ترك المسار القضائي يأخذ مجراه، بعيداً عن الأحكام المسبقة، سواء صدرت عن أحزاب معارضة أو عن أي جهة أخرى.
العسري يختار المعارضة بعد تعيين المنصوري
سياسياً، يأتي تصعيد العسري في لحظة جديدة أعقبت الانتخابات التشريعية، بعدما عيّن الملك محمد السادس، في 29 شتنبر، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، تطبيقاً للفصل 47 من الدستور.
وفي المقابل، أعلن العسري تموقع تحالف اليسار في المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة، وهو خيار سياسي يضع التحالف أمام اختبار مختلف: الانتقال من نقد العملية الانتخابية إلى ممارسة معارضة مؤسساتية قادرة على تحويل الملفات التي يثيرها إلى أسئلة برلمانية ومقترحات وتشريعات وآليات رقابة.
طنجة تحتاج إلى الحقيقة.. لا إلى روايتين متقابلتين
القضية في طنجة–أصيلة لم تعد تحتمل منطقة رمادية طويلة، إذا أثبتت التحقيقات وجود خروقات انتخابية منظمة أو مؤثرة، فإن الرأي العام ينتظر معرفة المسؤوليات كاملة، أياً كان أصحابها، وأياً كانت مواقعهم الحزبية أو الإدارية.
وإذا كشفت التحقيقات عكس ذلك، فمن حق الرأي العام أيضاً معرفة الحقيقة كاملة، حتى لا تتحول الاتهامات الانتخابية إلى أحكام نهائية خارج قاعات القضاء، أما ما لا يمكن القبول به فهو أن تنتهي الانتخابات وتبقى الشكوك معلقة فوق نتائجها.
مدرسة القدس أصبحت اليوم اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات على كشف الحقيقة، ليس فقط بشأن الأوراق الانتخابية التي ضبطت، وإنما بشأن كل ما أثير حول العملية الانتخابية في طنجة–أصيلة.
فالانتخابات لا تحميها البلاغات ولا التصريحات وحدها، وإنما تحميها قواعد واضحة، ومحاضر قابلة للتدقيق، وتحقيقات مستقلة وفعالة، وقضاء يحسم في المسؤوليات، ومؤسسات تقدم للرأي العام أجوبة دقيقة عندما تظهر وقائع تستحق التحقيق.
وفي النهاية، السؤال الذي سيبقى مطروحاً ليس فقط: من ربح ومن خسر؟ بل: هل تستطيع المؤسسات أن تجيب، بالأدلة والقانون، عن كل الأسئلة التي خلفتها انتخابات طنجة–أصيلة؟