اليونسي يعلن المواجهة مع “المتحور الجديد” للبام: من التحكم السلطوي إلى الافتراس الاقتصادي

هبة زووم – الرباط
اختار عبد الحفيظ اليونسي، الأستاذ الجامعي والقيادي بحزب العدالة والتنمية، أن يرفع سقف المواجهة السياسية مع حزب الأصالة والمعاصرة، عبر تدوينة مطولة وضع فيها ما سماه «إنكار الواقع» في قلب قراءته للتحولات التي عرفها حزب «الجرار»، منتقداً بشدة خطابه وممارساته وموقعه داخل المشهد السياسي المغربي.
اليونسي لا يقدم في تدوينته مجرد انتقاد لحزب منافس، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يعتبر أن «البام» ليس نتاجاً طبيعياً لحاجة اجتماعية، وإنما تنظيم سياسي تشكل، وفق قراءته، من تجمعات مصالح كانت في بدايتها مرتبطة بالسلطة، قبل أن تتحول إلى مصالح اقتصادية أيضاً.
والأكثر إثارة في خطاب اليونسي هو قوله إن ما يسميه «جينات التحكم» لم تغادر الحزب، معتبراً أن النسخة الحالية من «البام» تجمع بين ما وصفه بـ«التحكم السلطوي والافتراس الاقتصادي».
إنها قراءة سياسية صدامية، تضع الحزب أمام سؤال قديم ومتجدد حول طبيعته ووظيفته داخل النظام الحزبي المغربي، خصوصاً أن اليونسي سبق أن قدم، في تصريحات سابقة، قراءة لـ«البام» باعتباره حزباً ذا وظيفة سياسية محددة داخل النسق، مرتبطة بإعادة تدوير النخب أو إحداث توازنات داخل المشهد السياسي.
ويعود اليونسي إلى مرحلة تأسيس الحزب وصعوده خلال 2007–2009، معتبراً أنها تكشف، في نظره، عن طبيعة سياسية لم تتغير جذرياً، حيث يستحضر في هذا السياق ما يصفه باستعمال الإعلام والقضاء في مواجهة الخصوم، واحتواء أحزاب واستقطاب أعيان، فضلاً عن توظيف أدوات الدولة في الضبط والتنظيم، لكن هذه القراءة تظل، في النهاية، تفسيراً سياسياً للتاريخ الحزبي وليست حكماً قضائياً على تلك المرحلة.
واللافت أن الجدل حول طبيعة نشأة «البام» ليس جديداً؛ فقد سبق أن ناقش باحثون ومحللون ما سمي بـ«خطيئة الولادة»، وما إذا كان الحزب قد تمكن من بناء قاعدة اجتماعية وحزبية شبيهة بباقي التنظيمات السياسية التقليدية، أم أن صعوده ارتبط بعوامل مختلفة.
وهنا يكمن السؤال الأكثر إحراجاً: هل استطاع البام، بعد مرور سنوات على تأسيسه، أن يتحول فعلاً إلى حزب ذي قاعدة اجتماعية وبرنامج سياسي مستقل عن شبكة الأعيان والمصالح، أم أن أزمة الهوية التي رافقت ولادته لا تزال حاضرة بأشكال جديدة؟
لم يتوقف اليونسي عند تاريخ الحزب، بل انتقل إلى مشاركته الحكومية، منتقداً ما يعتبره توجهاً نحو فرض إصلاحات وقوانين رغم وجود خلافات مجتمعية حولها.
ويضع في هذا السياق عدداً من القوانين والمؤسسات، بينها قوانين مرتبطة بالعدول والمحاماة والصحافة والمساطر المدنية والجنائية، كما ينتقد ما يعتبره هجوماً على مؤسسات مستقلة، من بينها المحكمة الدستورية والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من التمييز: وجود خلاف سياسي ومجتمعي حول قانون لا يعني تلقائياً أن تمريره يمثل ممارسة سلطوية، كما أن اعتماد نص بالأغلبية البرلمانية لا يجعله، بذاته، اعتداءً على المؤسسات، والمعيار الديمقراطي هنا هو النقاش البرلماني، واحترام المساطر الدستورية، وإتاحة الطعن والمراجعة والمراقبة القضائية، وهي عناصر ينبغي أن تكون حاضرة في تقييم أي إصلاح تشريعي.
ربما أكثر ما يستحق التوقف في تدوينة اليونسي هو حديثه عن «خيط ناظم» يعتبر أنه يحكم أسلوب «البام»، ويتمثل في التخويف، فهو يتحدث عن تخويف النخب والقضاة ورجال السلطة ورجال الأعمال والصحافة والنقابات، ويعتبر أن النتيجة، وفق قراءته، هي انتقال الولاء من الدولة إلى الحزب.
هذه اتهامات ثقيلة جداً، ولا يمكن التعامل معها كوقائع ثابتة من دون أدلة محددة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل تستطيع الأحزاب، أياً كانت، أن تمارس نفوذاً سياسياً واقتصادياً دون أن يتحول هذا النفوذ إلى هيمنة على المجال العام؟
هذا السؤال لا يخص «البام» وحده، بل يخص طبيعة العلاقة بين المال والسياسة والإعلام والنخب والمؤسسات، وهي علاقة يفترض أن تحكمها قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص والمساءلة.
اليونسي لا يرى أن «البام» تخلص من ماضيه، بل يعتبر أن الحزب دخل مرحلة جديدة تجمع، حسب تعبيره، بين «التحكم السلطوي والافتراس الاقتصادي»، والتعبير، رغم حدته، يلخص جوهر المواجهة السياسية التي يريد القيادي في «المصباح» فتحها: هل تغير الحزب فعلاً، أم تغيرت فقط أدواته وخطابه؟
فالتحولات التي عرفها «البام» خلال السنوات الأخيرة، من القيادة الجماعية إلى إعادة ترتيب القيادة ثم صعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى الواجهة، تطرح أسئلة حول هوية الحزب ووظيفته السياسية، وقد سبق لليونسي نفسه أن اعتبر أن أزمة القيادة داخل الحزب مرتبطة بطبيعة تنظيمه ووظيفته داخل النسق السياسي.
وفي أكثر أجزاء التدوينة إثارة للجدل، ينتقل اليونسي إلى الحديث عن «صهاينة المغرب» وربط انتخاب رئيس جديد للمجلس الوطني للصحافة بما سماه «خطر الاختراق الصهيوني للدولة والمجتمع».
والثابت أن المختار الغزيوي انتُخب رئيساً للمجلس الوطني للصحافة في شتنبر 2026، وسط جدل إعلامي وسياسي حول مواقفه من التطبيع مع إسرائيل، وهو ما أعاد النقاش حول علاقة المواقف السياسية بالمسؤوليات المهنية داخل مؤسسات التنظيم الذاتي للصحافة.
وفي نهاية تدوينته، يعلن اليونسي أن المغاربة وقواهم السياسية والاجتماعية «واجهوا النسخة الأولى من البام» وأنهم سيواجهون ما يسميه «المتحور الجديد».
وهنا تتجاوز التدوينة حدود النقد الحزبي العادي لتصبح بمثابة إعلان سياسي عن مواجهة مفتوحة مع حزب الأصالة والمعاصرة، في مرحلة أصبح فيها «البام» أحد الفاعلين المركزيين في تدبير الشأن الحكومي والسياسي.
لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: هل تستطيع هذه المواجهة أن تنتقل من لغة التوصيفات الثقيلة إلى نقاش قائم على الوقائع والبرامج والحصيلة؟
فاتهام حزب بـ«التحكم» أو «الافتراس» قد يكون مؤثراً في الخطاب السياسي، لكنه لا يكفي وحده لإقناع الرأي العام. ما يقنع المواطن هو الدليل، والأرقام، والقرارات، والممارسات الموثقة، ثم القدرة على وضع كل ذلك أمام المؤسسات المختصة.
وبالمقابل، فإن أفضل جواب يمكن أن يقدمه «البام» على هذه الانتقادات ليس البيانات الدفاعية، وإنما تقديم حصيلة واضحة، وتفسير مصادر قوته السياسية والاقتصادية، وإبراز حدود علاقته بمراكز النفوذ، وإقناع المغاربة بأن الحزب أصبح مؤسسة سياسية طبيعية تُحاسَب على برامجها وقراراتها، لا على الأسئلة المرتبطة بماضي نشأتها.
وهنا بالضبط توجد المعركة الحقيقية: ليست بين «البام» واليونسي وحدهما، بل حول سؤال أكبر بكثير: هل استطاع المشهد الحزبي المغربي أن يتجاوز منطق النفوذ والولاءات والأعيان نحو أحزاب سياسية مؤسساتية تُقاس قوتها بقاعدتها الاجتماعية وبرامجها وحصيلتها، وتخضع للمساءلة بنفس المعايير التي تطلبها من خصومها؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد