الاتحاد الاشتراكي بعد الانتخابات.. عريضة داخلية تضع لشكر والقيادة أمام امتحان المعارضة والمؤتمر الاستثنائي
هبة زووم – الرباط
لم تنتظر تداعيات نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة طويلاً داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إذ انتقل النقاش من تقييم الحصيلة الانتخابية إلى مساءلة الخيارات التنظيمية والسياسية للقيادة الحالية، بعدما أطلق مناضلون اتحاديون عريضة موجهة إلى أعضاء الحزب بمختلف مناطق المغرب، تطالب بالتموقع في المعارضة، ورحيل القيادة الحالية، والدعوة إلى عقد مؤتمر وطني استثنائي.
وتأتي هذه المبادرة في أعقاب حصول الاتحاد الاشتراكي على 26 مقعداً في انتخابات 23 شتنبر 2026، وهي نتيجة وصفها إدريس لشكر نفسه، في تصريح عقب الإعلان عن النتائج، بأنها تمثل تراجعاً مقارنة بالاستحقاقات السابقة. وأكد آنذاك أن الحزب سيتعامل مع النتائج داخل مؤسساته الحزبية.
لكن العريضة الجديدة تدفع النقاش إلى مستوى أكثر عمقاً، إذ لا تكتفي بمساءلة الحصيلة الانتخابية، وإنما تربطها بطريقة تدبير الحزب خلال المرحلة السابقة، وتحمل القيادة الحالية مسؤولية ما تعتبره تراجعاً في الترتيب وعدد الأصوات والحضور السياسي.
الولاية الرابعة.. بداية الأزمة أم عنوانها؟
ومن بين أبرز النقاط التي تثيرها العريضة انتقاد التمديد لإدريس لشكر كاتباً أول للحزب لولاية رابعة، معتبرة أن الطريقة التي تم بها هذا التمديد انعكست سلباً على صورة الحزب، وأنها كانت، بحسب أصحاب المبادرة، مؤشراً مبكراً على الصعوبات التي واجهها الاتحاد في الاستحقاق الانتخابي.
وهذه القراءة تبقى، في نهاية المطاف، موقفاً صادراً عن أصحاب العريضة، ولا تعني أن الحزب حسم مؤسساتياً في تحميل القيادة وحدها مسؤولية النتائج. بل إن بلاغ المكتب السياسي الأخير تحدث عن ضرورة إجراء تقييم جدي وعميق للنتائج، واعتبر المسؤولية عن استخلاص الدروس مسؤولية جماعية للأجهزة الحزبية وطنياً وجهوياً وإقليمياً.
غير أن أصحاب العريضة يذهبون أبعد من ذلك، عندما ينتقدون ما يصفونه بـ«التدبير الانفرادي» للإعداد للانتخابات، خصوصاً في ما يتعلق باستقطاب مرشحين لا تربطهم، وفق الوثيقة، علاقة سياسية أو تنظيمية بالحزب، إلى جانب انتقادات موجهة لطريقة تدبير تزكيات اللوائح الجهوية للنساء.
من المسؤول عن التراجع؟
السؤال الذي تضعه العريضة في قلب النقاش هو: هل كان تراجع النتائج مجرد نتيجة لعوامل انتخابية ظرفية، أم أنه يعكس أزمة أعمق في الخط السياسي والتنظيمي للحزب؟
أصحاب المبادرة يتبنون القراءة الثانية، إذ يتحدثون عن «ضبابية الخط السياسي» خلال الولاية التشريعية المنتهية، وعن تردد الحزب في الانخراط في عدد من المبادرات التشريعية والاجتماعية، معتبرين أن ذلك ساهم في إضعاف رصيده الانتخابي.
وفي المقابل، فإن الاتحاد الاشتراكي سبق أن قدم خلال الحملة الانتخابية مواقف سياسية واضحة في مواجهة أحزاب الأغلبية، كما أعلن لشكر قبل الاقتراع أن الحزب مستعد للتعامل إيجاباً مع الإجراءات الاجتماعية إذا تحولت إلى نصوص قانونية.
وبذلك، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بما إذا كان الحزب قد تراجع انتخابياً، وهي مسألة أقرت بها القيادة نفسها، وإنما يتعلق بتفسير أسباب هذا التراجع ومن يتحمل مسؤولية القرار السياسي والتنظيمي عنه.
المعارضة أم الحكومة؟
الأكثر حساسية في العريضة هو دعوتها الصريحة إلى تموقع الاتحاد الاشتراكي في المعارضة ورفض أي توجه نحو المشاركة في الحكومة المقبلة.
ويأتي هذا المطلب في وقت كان فيه المكتب السياسي للاتحاد قد فوض، في 30 شتنبر، إدريس لشكر ومصطفى عجاب مواصلة المفاوضات مع رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري بشأن تشكيل الحكومة، مع إبقاء المكتب السياسي مفتوحاً لمواكبة تطورات المشاورات.
وهنا يظهر أحد أبرز الملفات التي ستحتاج إلى حسم داخل المؤسسات الحزبية: هل يستمر الاتحاد في التفاوض حول المشاركة الحكومية، أم يتجه نحو خيار المعارضة كما تطالب العريضة؟
الموقفان موجودان داخل المشهد الاتحادي حالياً، لكن القرار النهائي يظل مرتبطاً بالهيئات المخولة داخل الحزب، وليس بموقف العريضة وحدها.
المؤتمر الاستثنائي.. مطلب يتجاوز تغيير الأشخاص
ولا تتوقف المطالب عند تغيير موقع الحزب في الخريطة الحكومية، إذ تطالب العريضة القيادة الحالية بتقديم نقد ذاتي والاعتذار، ثم الدعوة إلى مؤتمر وطني استثنائي، تقول إن الغاية منه إعادة البناء السياسي والتنظيمي وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الاتحادية التي غادرت الحزب خلال السنوات الماضية، كما تذهب الوثيقة إلى اعتبار أن النتائج الانتخابية الأخيرة أسقطت، من وجهة نظر أصحابها، شرعية القيادة الحالية.
لكن هذه العبارة تظل تعبيراً عن موقف أصحاب العريضة، وليست حكماً مؤسسياً على الوضع التنظيمي للحزب. فالشرعية التنظيمية وآليات تغيير القيادة تظل خاضعة للقواعد والمؤسسات الحزبية المعنية.
وهكذا، يبدو أن الاتحاد الاشتراكي أمام نقاش داخلي يتجاوز مجرد تدبير مرحلة ما بعد الانتخابات. فهناك من يريد تحويل النتيجة الانتخابية إلى لحظة لإعادة النظر في القيادة والخط السياسي وموقع الحزب داخل الأغلبية أو المعارضة، بينما تواصل القيادة الحالية تحركها المؤسساتي والسياسي، بما في ذلك المشاركة في المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة.
وفي انتظار ما ستقرره الأجهزة الحزبية المخولة، فإن العريضة تكون قد فتحت الباب أمام واحد من أكثر النقاشات حساسية داخل الاتحاد الاشتراكي خلال السنوات الأخيرة: هل يحتاج الحزب إلى مراجعة في القيادة، أم إلى مراجعة في الخط السياسي والتنظيمي، أم أن الأمر يتعلق بإعادة بناء شاملة تتجاوز الأشخاص إلى طريقة اشتغال الحزب برمتها؟
المؤكد أن نتيجة 23 شتنبر وضعت الحصيلة الاتحادية تحت المجهر، وأن مطلب التقييم الداخلي لم يعد قابلاً للتأجيل. أما اتجاه هذا التقييم، ومن سيحدد خلاصاته، فسيبقى رهيناً بما ستقوله مؤسسات الحزب في المرحلة المقبلة.