الكنبوري يشكك في جدوى قانون الإثراء غير المشروع ويؤكد أن معركة المغرب ليست في التشريع بل في التطبيق

هبة زووم – الرباط
عاد مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي بالمغرب، عقب إعلان وزير العدل عبد اللطيف وهبي توجه الحكومة نحو إعداد نصوص تشريعية جديدة لمحاربة الفساد وتضارب المصالح وتبييض الأموال، في خطوة أعادت إلى الأذهان الجدل الذي رافق سحب المشروع خلال الولاية الحكومية السابقة، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن جدية الإرادة السياسية في الانتقال من الوعود التشريعية إلى المحاسبة الفعلية.
وفي هذا السياق، نشر الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري تدوينة انتقد فيها ما اعتبره تناقضاً في موقف وزير العدل، الذي سبق أن دافع عن سحب مشروع الإثراء غير المشروع، قبل أن يعود اليوم للحديث عن إعادة طرحه ضمن حزمة من القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد.
وكان وهبي قد أعلن، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم 2 نونبر الجاري، أن الحكومة تتجه إلى تقديم مشروع قانون الإثراء غير المشروع، إلى جانب نصوص تتعلق بتضارب المصالح وتبييض الأموال، مع توقع انطلاق المسطرة التشريعية في بداية سنة 2027. كما شدد على ضرورة احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة عند إعداد هذه النصوص.
الكنبوري قرأ عودة المشروع من زاوية سياسية، معتبراً أن الإعلان الحكومي لا يعكس بالضرورة تحولاً واضحاً في الإرادة السياسية، وأن توقيت التصريح قد يكون مرتبطاً أيضاً بالنقاش البرلماني والمبادرات التي تقدم بها فريق العدالة والتنمية في مجال مكافحة الفساد وتضارب المصالح.
لكن الباحث لا يحصر اعتراضه في خلفيات الإعلان أو توقيته، بل يذهب إلى جوهر الإشكال، مؤكداً أن إخراج القوانين إلى الوجود لا يعني بالضرورة تفعيلها، وأن التجربة المغربية، وفق تقييمه، تكشف عن فجوة بين النصوص القانونية المعلنة وواقع تطبيقها.
وفي هذا الإطار، استحضر الكنبوري قانون التصريح الإجباري بالممتلكات، معتبراً أن وجوده لم ينهِ التساؤلات بشأن مدى احترام مقتضياته، ولا بشأن قدرة آليات المراقبة على رصد الزيادات غير المبررة في ثروات بعض الخاضعين له.
كما توقف عند مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي نص عليه دستور 2011، متسائلاً عن جدوى إقرار ضمانات دستورية وقوانين تنظيمية إذا ظلت الممارسة بعيدة عن تفعيلها بالشكل المطلوب.
وامتدت انتقاداته إلى تجربة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وإلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات، التي يرى أنها تكشف اختلالات وملاحظات تستوجب المتابعة، لكن نشر التقارير وحده لا يحقق الغاية من الرقابة ما لم تتبعه إجراءات واضحة، وتحديد للمسؤوليات، وترتيب للآثار القانونية عند ثبوت المخالفات.
وهنا يضع الباحث إصبعه على معضلة تتجاوز قانون الإثراء غير المشروع: كيف يمكن بناء منظومة فعالة لمحاربة الفساد إذا لم تكن المؤسسات قادرة على تحويل نتائج المراقبة والتقارير إلى مسارات للمساءلة والمحاسبة؟
ويذهب الكنبوري إلى أن الصعوبة الأساسية لا تكمن في صياغة القوانين أو المصادقة عليها، بل في تطبيقها عندما يتعلق الأمر بمصالح نافذين أو شبكات اقتصادية وسياسية تستفيد من الوضع القائم. ويرى أن التفعيل الحقيقي لمبدأ المحاسبة قد يفرض تغييراً في موازين المصالح وفي طبيعة النخب المستفيدة من مواقع النفوذ.
كما ربط الباحث هذا النقاش بضمانات نزاهة الانتخابات المنصوص عليها دستورياً، معتبراً أن وجود المقتضيات القانونية لا يكفي وحده لمنع الاختلالات، ما لم تصاحبها مراقبة فعالة وتطبيق متساوٍ للقانون.
وفي المقابل، يظل إعداد قانون الإثراء غير المشروع ورشاً تشريعياً يقتضي تحديداً دقيقاً للأفعال المجرّمة، وشروط إثباتها، والجهات المكلفة بالبحث والمراقبة، مع ضمان حقوق الدفاع وقرينة البراءة. وهي الضمانات التي جعلها وزير العدل جزءاً أساسياً من تصوره المعلن للنصوص المرتقبة.
وتعيد تدوينة الكنبوري طرح سؤال جوهري حول مستقبل ورش مكافحة الفساد بالمغرب: هل ستنجح الحكومة في إخراج نصوص قانونية قابلة للتطبيق، أم ستضاف إلى رصيد من التشريعات التي تظل فعاليتها رهينة بمدى تفعيلها على أرض الواقع؟
فالمغاربة لا ينتظرون فقط قانوناً جديداً يحمل عنوان «الإثراء غير المشروع»، بل ينتظرون منظومة تضمن المراقبة الفعلية للثروة، وتمنع تضارب المصالح، وتحمي المال العام، وتؤسس للمساواة أمام القانون، دون انتقائية أو استثناءات.
وبين الإعلان عن مشاريع قوانين جديدة والتجربة السابقة في تطبيق مقتضيات التصريح بالممتلكات ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، تظل العبرة بمدى قدرة المؤسسات على الانتقال من لغة الالتزامات إلى إجراءات ملموسة، تجعل المحاسبة قاعدة مؤسساتية لا مجرد شعار دستوري.
ولعل العبارة التي اختار الكنبوري أن يختم بها تدوينته، مستحضراً أفلاطون، تختزل جوهر النقاش: “الصالح لا يحتاج قوانين، والفاسد يلتف عليها”؛ وهي مقولة تضع التحدي الحقيقي أمام المشرّع والمؤسسات المكلفة بالتنفيذ، لا أمام النصوص وحدها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد