هل كبار المحروقات هم الدولة؟.. اليحياوي يثير جدلاً حول تسقيف الأرباح وملف لاسامير

هبة زووم – الرباط
عاد ملف أسعار المحروقات وهوامش أرباح الشركات العاملة في القطاع إلى واجهة النقاش العمومي، على خلفية استمرار ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد المطالب بإيجاد حلول عملية لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، في وقت تتواصل فيه التساؤلات بشأن حدود تدخل الدولة في ضبط السوق وضمان التوازن بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين وحقوق المستهلكين.
وفي هذا السياق، نشر الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تدوينة انتقد فيها طريقة تدبير الدولة لملف المحروقات، متسائلاً عن أسباب عدم اللجوء إلى تسقيف أرباح الشركات، وعدم إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير»، معتبراً أن المقاربة المعتمدة لا تقدم، في نظره، أجوبة كافية عن الاختلالات التي يثيرها سوق المحروقات وانعكاساتها على أسعار باقي المواد والخدمات.
ويرى اليحياوي أن ارتفاع أسعار المحروقات أصبح حاضراً في تفسيرات عدد من الزيادات التي تطال الأسواق، لكنه يحذر من اختزال أسباب الغلاء في تكلفة الوقود وحدها، مشيراً إلى أن أسعار الخضر والفواكه، على سبيل المثال، تتأثر أيضاً بعوامل أخرى، من بينها حجم الصادرات ومدى تلبية السوق الوطنية من الإنتاج المحلي.
ومن خلال هذه المقاربة، يطرح الباحث سؤالاً حول التوازن بين التزامات التصدير وضمان وفرة المنتجات بأسعار مناسبة داخل السوق المغربية، خصوصاً عندما يشعر المستهلك بأن المنتجات الفلاحية المحلية متاحة في الأسواق الخارجية بأسعار أو شروط مختلفة، بينما تتواصل الضغوط على قدرته الشرائية في الداخل.
كما انتقد ما اعتبره اكتفاء الدولة بالمراقبة أو إظهار محدودية القدرة على التدخل، في وقت تتطلب فيه موجة الغلاء، بحسب موقفه، إجراءات أكثر وضوحاً لحماية المستهلك ومواجهة العوامل التي تساهم في ارتفاع الأسعار.
وجدد اليحياوي الدعوة إلى تسقيف أرباح كبار الفاعلين في قطاع المحروقات، معتبراً أن هذا الإجراء ينبغي ألا يُختزل في كونه عودة تلقائية إلى تجربة صندوق المقاصة، كما جاء في النقاش الذي أشار إليه بشأن موقف وزير الاقتصاد والمالية.
وفي هذا الصدد، اعتبر الباحث أن الاستناد إلى تجربة المقاصة لتبرير رفض تسقيف الأرباح لا يحسم النقاش، لأن ضبط هوامش الربح، وفق تصوره، يختلف عن تحمل الدولة كلفة دعم الأسعار بشكل مباشر. وذهب إلى طرح سؤال ساخر بشأن العلاقة بين كبار الفاعلين في القطاع والدولة، في إشارة إلى ما يراه تداخلاً يستدعي مزيداً من الوضوح والمساءلة.
كما أعاد ملف مصفاة «لاسامير» إلى النقاش، باعتباره أحد الخيارات التي يطالب جزء من الفاعلين والمتابعين بدراستها في سياق البحث عن بدائل لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص الاعتماد على استيراد المنتجات المكررة. غير أن إعادة تشغيل المصفاة تظل مرتبطة بتعقيدات مالية وقانونية وتقنية، ما يجعلها ملفاً يحتاج إلى تصور واضح ومعلن، وليس مجرد شعار يتكرر كلما ارتفعت أسعار المحروقات.
ومن بين النقاط التي أثارها اليحياوي أيضاً انتقاده لما وصفه بتقديم الدعم لبعض المهنيين، معتبراً أن هذه التدخلات لا تعالج بالضرورة جذور المشكلة، ولا تضمن وصول أثرها إلى المستهلك النهائي. وهو ما يفتح النقاش حول مدى نجاعة برامج الدعم، وشروط الاستفادة منها، وآليات تقييم انعكاسها على الأسعار وجودة الخدمات.
وتتجاوز هذه الأسئلة ملف المحروقات في حد ذاته، لتلامس دور الدولة في مراقبة المنافسة، وضمان الشفافية في تحديد الأسعار، والتصدي للممارسات التي قد تضر بالسوق والمستهلك، إذا ثبت وجودها، فضلاً عن ضرورة نشر المعطيات المتعلقة بتطور الأسعار وهوامش الربح وكلفة الاستيراد والتوزيع.
وتضع تدوينة اليحياوي هذا الملف مجدداً أمام أسئلة سياسية واقتصادية تتعلق بحدود تدخل الدولة في السوق، وبمدى قدرتها على التوفيق بين حرية المبادرة الاقتصادية وحماية القدرة الشرائية. فبين تسقيف الأرباح، وإعادة تشغيل «لاسامير»، ومراجعة سياسة الدعم، يظل الرهان الأساسي هو تقديم معطيات دقيقة وحلول قابلة للتقييم، بدل الاكتفاء بتبادل المبررات كلما ارتفعت الأسعار.
وفي انتظار توضيحات رسمية بشأن هذه المطالب، يبقى السؤال الذي تطرحه التدوينة مفتوحاً: هل تملك الدولة إرادة وأدوات ضبط سوق المحروقات وحماية المستهلك، أم أن المواطن سيظل يتحمل تبعات تقلبات الأسعار دون أن تتضح أمامه حدود مسؤولية الشركات والجهات المشرفة على القطاع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد