سيدي عبد الرحمان المجذوب أمام محكمة الجنايات الدولية

مولاي التهامي بهطاط

لم يعد اليوم مقبولا السكوت ولا غض الطرف ولا اللامبالاة بأنواع خطيرة من التطرف بدأت تخترق المجتمع المغربي.

نعم هناك التطرف المبني علي فهم شاذ لنصوص الدين، غالبا ما يتم تسليط الضوء عليه بسبب ما يسمى “فتاوى” تصدر عن أشخاص توقف الزمن عندهم قبل قرون.

لكن هناك أنواع أخرى من التطرف، اشد خطرا، وإذا لم يتم التعاطي معها بالحزم اللازم، وبأسرع وقت ممكن فستكون العواقب كارثية.

لابد من قرع الأجراس، وعدم الانحناء أمام الزوابع الكلامية التي يثيرها النوع الجديد من “المتطرفين” الذي لا يختلفون سوى في الأدوات وميدان العمل، عن نظرائهم الملتحين الذي يستعملون “قال الله.
.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم.
.
“، لتأييد الجهل والتخلف.

وأظن أن واقعة “نكتة” المقرئ أبي زيد، تمثل مدخلا مناسبا لطرح موضوع التطرف الجديد الذي أصبح يغزو الساحة المغربية، خاصة بعد أن انتقل الأمر من الضحك على “نكتة” إلى تحميلها ما لا تحتمل، بل دخل على الخط مفكرون أكن لهم الاحترام، انساقوا هم أيضا في نفس اتجاه “التجريم”.

أكثر من ذلك، تحولت شبكة الأنترنيت إلى ساحة لتبادل إطلاق النار، وتوالت الوفود على منزل المقرئ مساندة، بينما جيشت الأطراف الأخرى إمكانياتها، ولم تتوقف عن القصف رغم كل التوضيحات والتفسيرات والتبريرات والاعتذارات.
.

فهل استحق الأمر كل هذه الضجة المفتعلة؟

في رأيي هو مجرد مؤشر إضافي من المؤشرات المعبرة عن مستوى الخطر الذي بلغه نوع جديد من التطرف، لم يكن مسموحا له حتى وقت قريب بتجاوز هوامش معينة، فأصبح اليوم الصوت الأعلى والرأي الوحيد الظاهر في الساحة.
.
.

لنسجل بداية، أنه في زمن الأزمات الاقتصادية، يلجأ محترفو السياسة إلى إثارة النعرات العرقية، والعزف على الوتر الإثني، لأنهم لا يملكون إجابات ولا مقترحات حلول للمشاكل الحقيقية، فيتهربون إلى دغدغة العواطف واستفزاز العصبية القبلية.
.
.
لصرف الأنظار عن المهم والأهم.
.

ولنسجل أيضا، كيف أن الضجيج المفتعل حول “منع” بعض الأسماء الأمازيغية مثلا، أعطى الانطباع بأن هناك ميزا عنصريا ممنهجا ضد قسم من المواطنين، قبل أن يفاجأ الرأي العام الوطني خلال جلسة برلمانية بوزير الداخلية السابق السيد محند العنصر وهو يعلن أن أقل من 3 أسماء أمازيغية فقط رفضت، وبقرارات معللة، بينما تم رفض تسجيل أكثر من 23 اسما عربيا من طرف مصالح الحالة المدنية، دون أن تثار ضجة إعلامية أو يتم التهديد باللجوء إلى الأمم المتحدة.
.

نفس المزايدات سجلناها، وبدرجة خطيرة على هامش “النكتة” التي تحولت إلى “فتنة”.

إن الشعوب التي لا تسخر من نفسها، والأمم التي لا تضحك محكوم عليها بالموت.
.
والتنكيت بطابع عرقي وقبلي، ليس بعدة مغربية، فالمصريون يسخرون من بعضهم البعض والفرنسيون والألمان والإسبان والامريكيون.
.
كذلك.
.
وكل شعوب الأرض تفعل ذلك، بل إن الاسكتلانديين يمثلون مادة للسخرية على صعيد أوروبا.
.
فلماذا يريد البعض للمغرب ان يكون بدعا من الشعوب؟

إن الإهانة الحقيقية لأهل سوس، هي حين يتم الركوب على نكتة لترسيخ فكرة دونيتهم واستهدافهم المفترض.
.
.
وإلا فإنه لا يوجد شبر في المغرب لا يسخر سكانه بعضهم من بعض، بل في القرية التي أنحدر منها مثلا، هناك كم لا يحصى من النكت الجارحة المتبادلة، بين أزقة القرية الخمسة رغم أن الأصل واحد، والجد واحد، ورغم أن مساحة القرية لا تتجاوز عشرة هكتارات على ابعد تقدير.
.

بل إذا طبقنا منطق تحميل النكت ما لا تحتمل، سيكون من حق سكان بركان المطالبة بحماية أممية لأن كل النكت التي بطلها “بركاني” إلا وتصفه بالغباء التام، وكذلك الشأن بالنسبة لجبالة الموصوفين بالسذاجة، وأهل فاس الموسومين بالجبن وانعدام الغيرة على الشرف.
.
وعرب دكالة الموصوفين بالشدة والغلظة وأكل “تراب” الناس بالباطل، “والشرفا” الموسومين بالشعوذة والدجل والعيش عالة على الآخرين، بل ‘ن بعضا من سكان زاكزرة وورزازات أصبحوا من قبيلة “MON AMI”.
.
وقس على ذلك.
.
فما هو الجديد الذي جاءت به نكتة أبي زيد؟

هل اصبح ممنوعا ترديد النكت حتى لو كان أصلها واقعة حقيقية؟

لقد كان في مدينة تازة قبل عقود تاجر سوسي غني يملك محلا تجاريا في شارع رئيسي، وحين استغرب بعض شباب تازة عندما شاهدوه يركب القطار من مدينة الدار البيضاء في الدرجة الرابعة، أجابهم بكل ثقة في النفس “واش الكاتريام ما كايوصلش؟”.
.
بل أخبرني شخصيا أحد جيراني أنهم في “دكالة” يحصون حتى الكلاب التي خلفها الميت ضمن تركته، ويتقاسمونها كبقية أملاكه.
.

هل سنشاهد نفس الموقف من نكتة تمس عقيدة المغاربة مثلا؟

لقد سمعت بأم أذني سيدة في شارع شوارع الرباط وهي تحكي لصويحباتها كيف أن :”واحد الفقي” طلب منه قراءة بعض القرآن على قبر من القبور فجلس ولم يسمع الحاضرون سوى :”زززززززز”.
.
وحين سأله من أحضروه للترحم على ميتمهم ماذا تفعل قال :”أقرأ سورة النحل”.
.
فانطلقت ضحكات هستيرية من المستمعات.
.
ولحسن الحظ أنه لم يكن بعين المكان لا أبو نعيم ولا أبو جحيم وإلا لتقاطرت فتاوى التكفير.
.

 

هل سيصبح من الآن فصاعدا من الممنوع تقديم شخصية “مول الحانوت” في الأعمال الدرامية كما هي في الواقع، والاستعاضة عنها بصورة رجل أنيق يلبس بذلة “سينييه” وربطة عنق مستوردة من باريس؟ وماذا عن فنان كنور الدين بكر صنع جزء من تاريخه الفني بأدائه المتكرر لشخصية “السوسي”، هل ستتم محاكمته؟ بل هل ستتم متابعة الفنان “العبدي” شفيق السحيمي بسبب مسلسل “وجع التراب” الذي رسم صورة سيئة عن ” أهل دكالة”؟ وماذا عن إشهار الشاي الذي يقدم الفناني “الفاسي” حمادي عمور على أنه يرتعد أمام زوجته؟ وقبل ذلك، ألن نفاجأ بمن يطالب بمثول سيدي عبد الرحمان المجذوب أمام محكمة الجنايات الدولية لأن ما قاله من نظم أو نسب إليه مسخ أصل وفصل قبائل بأكملها؟

وإذا سرنا على نفس نهج إدانة التنكيت، فلا شك أنه من حقي مثلا ان أطلب من الذين انتفضوا ضد نكتة قيلت قبل ثلاث سنوات في محاضرة مرتجلة، أن يبدو نفس الصرامة مع سكيتشات الفنانة المغربية رشيدة خليل، التي اساءت في مسرحيتها “الحياة التي تحلم بها فاطنة” (http://www.
youtube.
com/watch?v=7fGG1O1aDEw )، ليس فقط إلى عمتها فاطنة رحمها الله، ولكن لجميع نساء القرية التي أنحدر منها، والقابعة في سفوح بالأطلس المتوسط، بل إنها قدمت صورة سلبية عن القرية عندما زارتها قبل سنوات رفقة صحافيي باري ماتش، وقدمتها كما لو كانت جزء من قبائل أفغانستان، والحال أن نساء هذه القرية كن يرتدن المدرسة منذ الستينيات ومنهن طبيات ومحاميات وقاضيات وأستاذات جامعيات.
.
.
ورغم كل تلك السخرية، فإن السيدة رشيدة تستقبل بالأحضان في قريتها ولا يعاتبها أحد، ولا توقع ضدها عرائض شجب ولا تصدر في حقها بيانات استنكار، رغم أن هناك مئات من أبناء القرية من خريجي الجامعات وكثير منهم في مواقع سامية ووظائف محترمة، ويمكنهم إثارة كثير من الضجيج الإعلامي إن أرادوا.

وبنفس المنطق، فإنه من حق سكان تازة، خاصة الريفيين منهم، نصب مشنقة للفنان جمال الدبوز، الذي حين يسخر من والده في مسرحياته لإضحاك الفرنسيين، (http://www.
youtube.
com/watch?v=r_s0WGNsBxo) فهو يسخر في نفس الوقت من جيل كامل من المهاجرين الأوائل الذين وفروا لجيله فرصة الولادة في فرنسا، وحفروا في الصخر حتى يجد شباب اليوم الطريق ممهدا للنجومية.
.
بل إنه يسخر من رجال المنطقة التي أطلقت منها أول رصاصة لجيش التحرير، والمسجلة في الأرشيف الفرنسي تحت اسم “مثلث الموت”، .
.
ومع ذلك ورغم ذلك.
.
فإنه كلما حل بتازة إلا ويحتفى به، كما أن صوره لا تغيب عن أي موقع إلكتروني محلي إلى جانب باقي صور النجوم المنحدرين من نفس المدينة.
.

وبنفس المنطق أيضا، كيف ينبغي التعامل مع الفنان جاد المالح ابن الدار البيضاء، الذي رسم في إحدى مسرحياته صورة غير واقعية عن المغرب.
.
عندما قدم عرضا حول ما سماه جهاز تحديد المواقع (GPS) “المغربي” بسخرية لاذعة (http://www.
youtube.
com/watch?v=O8bsWD5dCFc)، والحال أنه يدرك خلال زياراته المتكررة إلى بلده الأم أن قطاع الاتصالات تحديدا هو أحد القطاعات الرائدة، وانه يستحيل ألا يجد في أسواق درب غلف ما هو متوفر في أسواق باريس.
.
؟.
.

فهل نطالب بتجريده من جنسيته المغربية؟ ونخونه بما أنه لا مجال لتكفيره؟

لن يكون من المقبول السكوت على هذا النوع من الابتزاز الرخيص الذي يمارسه بعض محترفي التجارة السياسية، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة، وقد نستيقظ قريبا على شيء من قبيل “معاداة السامية”، بحيث يصبح إطلاق نكتة أو ترويجها جريمة يعاقب عليها القانون، فقط لأن بعض من قطر بهم السقف اكتشفوا أن الروح المرحة للمغاربة، في حاجة إلى تصحيح، والحال أن قيمة خفة الظل في تلقائيتها، لأنه لا يمكن أصلا قولبتها.
.

إن نحت الشخصيات الكاريكاتورية في أية ثقافة، هو نتاج قراءة مطولة وتراكمية للواقع، أما الترويج بأن التنكيت على فئة ما هو “سياسة دولة”، فهذا محض افتراء، لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان أهل فاس من أكبر ضحايا ماكينة التنكيت، التي وضعتهم طويلا في خانة “أولاد السعودية”، وهم الذين “حكموا” المغرب منذ استقلاله، بل إن النكت السياسية في المغرب يمكن أن تشكل وحدها مادة دسمة للاشتغال عليها من طرف الباحثين والمحللين، كما فعل الصحفي المصري يسري حمودة في كتابه كيف يسخر المصريون من حكامهم.
.

أظن أن الأقلام المحترمة التي خاضت في هذا الموضوع، من زوايا يحكمها حسن النية في الغالب، عليها أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية وألا تنخدع بخطاب المظلومية الذي حول صفحات الويب إلى مجالس عزاء مفتوحة على مدار الساعة.
.

فمن غير المقبول، أنه كلما طلع “أحدهم” بتخريجة إلا واصطف المعزون ببابه.
.
.
وكثر الندابون، والداعون إلى الثأر.
.

ينبغي ألا ننسى أن المغاربة نكتوا على أفقير والبصري وحتى الحسن الثاني في أوج قوته.
.
.
ليس لأن النكتة مجهولة النسب.
.
ولا تحتاج إلى إيداع قانون أو جواز سفر لتعبر كل الحدود.
.
ولكن لأن الشعوب التي لا تسخر من نفسها محكوم عليها بالانقراض.
.

http://facebook.
com/my.
bahtat

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد