اللسان العربي ومدى قدرته على الاستمرارية والتواصل
عبد اللطيف مجدوب
سياق المقاربة
كثرت ؛ في الآونة الأخيرة ، وبين قراء بلدان شمال إفريقيا والمغرب خاصة ؛ كتابات في شكل مساجلات ، يرمي أصحابها إما إلى الدعوة بالقطع مع استعمال اللغة العربية ، واعتبارها عاجزة عن مسايرة العصر ؛ أو المناداة باستبدالها بالعامية ( الدارجة ) .
.
وبين هؤلاء وهؤلاء يوجد تيار آخر ، يذهب أصحابه ؛ ولو بعواطف مكشوفة ؛ إلى أن اللغة العربية ما زالت الرائجة في التعليم ، والتواصل وفي مُكْنتها تخطي كل الصعاب .
.
.
وقد يتساءل الباحث والمهتم .
.
إلى أي مدى يمكن وجود هامش موضوعي في هذه الأحكام والمواقف إزاء اللغة العربية ؟.
.
وهل هناك ثمة بحوث أكاديمية ، ودراسات رصينة استأنس بها أصحاب هذه الكتابات ؟.
.
أو بالأحرى هل هم دارون بالبيئة اللغوية في المغرب ، وخصوصياتها ؟
البيئة اللغوية في المغرب The linguistic environment
نحن نعلم مسبقا ؛ وعلى مدى بعيد ؛ أن مكونات الهوية المغربية تضم ألسنة لهجاتية عديدة ، واللهجة هنا بالمفهوم الشفاهي ، أي اللغة المنطوقة وليست المكتوبة ، فقد قدرها بعضهم بأكثر من ثلاثين لهجة ، وإن كان يربط بعضها معجم مشترك Lexicon ، إذا استثنينا الحسانية التي نجد لها اشتقاقات ومرادفات بنفس الجذور والصواتة ؛ كما وردت في اللسان العربي الفصيح ، وهذه إحالة إثنية خاصة .
أما اللغة الأمازيغية ؛ فهي الأخرى ؛ تعرف تنوعا وخصوبة في اشتقاقاتها اللهجاتية ، فهناك اللهجة السوسية (تشلحيت) ، واللهجة الريفية (تريفيت) ، إلى جانب اللهجة الأطلسية الأم(تمازيغت) ، وكل هذه اللهجات لها تفريعات تتمايز من منطقة إلى أخرى ، وتكاد تشترك في جزء من المعجم العام ، مع ملاحظة وجود اشتقاقات مشتركة تجمعها بالعربية ، مما يؤشر على وجود حقبة تاريخية مديدة شهدها التمازج العرقي العربي الأمازيغي .
إلى هنا نقف على لهجات مشتقة من اللسان الأم ؛ أصيبت عبر التاريخ ؛ بإقلابات وإبدالات وزيادات .
.
.
مثال العربية التي لها لهجات ، تكاد تختلف من ساكنة إلى أخرى كالجبلية ، والوجدية ، والفاسية ، والمكناسية ، والصفريوية (نسبة إلى منطقة صفرو ) ـ حاليا ـ .
.
.
الخ .
هذا وإلى جانب هذا التنوع الإثني اللغوي Linguistic anthropology هناك لغة المستعمر التي تضم الإسبانية بمنطقة الشمال ، والفرنسية داخل ووسط المغرب والتي ما زالت لغة الدواوين والاقتصاد والتجارة والمال .
أما الميديا فتضم خمس إلى ست لغات رسمية ؛ العربية والأمازيغية والفرنسية والحسانية إلى جانب الإسبانية والانجليزية التي توقفت بها النشرات الإخبارية .
إزاء هذا الزخم اللغوي ؛ تنضاف لغات وسائل التواصل الاجتماعي على شاكلة لغة sms ولغة الفيسبوك Facebook ولغة التغريد Twitter إلى جانب اللغة المشفرة Codded language ( جامعة بين حروف ورموز وأرقام ) ، وإن تكاد تكون خصيصة بين طرفين أو أكثر في التواصل .
المقاربة الديداكتيكية
مادة اللغة العربية ؛ وفقا للتقارير الوطنية والجهوية ، وبناء على نتائج تحصيل التلاميذ والطلبة ؛ لا تكاد تصل في المتوسط العام إلى 3 على 10 ، بما يؤشر على ضعف عام في مستوى التعلمات والمهارات ، وتكاد هذه التقارير تلقي باللائمة فقط على وجود قصور ديداكتيكي ، إما في الكتاب المدرسي أو المنهاج عموما ، دون الإشارة ولو تلميحا إلى البيئة اللغوية ؛ بالمواصفات التي أتينا عليها ؛ في المحيط كعائق ، ليس فحسب للتجاوب مع الاختبارات وأشكال التقويم الدراسي ولكن أثره يمتد بمهارات المتعلم / الطالب اللغوية فتجعله عاجزا عن استعمالها ؛ في خطابه وتواصله بها خارج أسوار المؤسسة التعليمية ؛ لماذا ؟ لوجود ألسنة طاغية لا تكاد الفصحى تذكر إلى جانبها مطلقا ، وهي العامية ولغة الميديا إلى جانب الأمازيغية ، سواء في البيت أحيانا أو الشارع أو هما معا .
فالتلميذ/الطالب وسط هذه البيئة اللغوية يدعى ؛ بلغة علماء اللغة Linguists ؛ بالشخص الديغلوسي Diglossia الذي يتعايش مع لغتين أو أكثر جوار اللهجات المتنافرة في النحو والمعجم ؛ فلا العربية ولا الأمازيغية ولا الفرنسية بقادرة أن تنمو وتعيش في هذا الخليط اللغوي ، إلا في حالات استثنائية ، وهي وجود بيئة لغة معزولة ، كأن تتعلم الانجليزية أو الألمانية أو الأمازيغية في انجلترا ( المملكة المتحدة ) أو المانيا أو بلاد الأمازيغ .
وانطلاقا من هذه القاعدة ؛ نلاحظ أن إنجليزية أو عربية شخص في منطقة قروية أمازيغية أفضل بكثير من نظيره في بيئة لغوية عربية معقدة ، مثال الدار البيضاء ، والرباط ، وفاس .
أما على المستوى الأقطار ( أو البيئات اللغوية القطرية ) فنجد المغاربة أفصح لسانا عربيا من نظرائهم في المشرق العربي .
.
عوامل لها إسهاماتها في تهميش العربية
بعد الانفجار المعرفي ، وتقلص الرقعة الجغرافية بين الشعوب ؛ ظهرت إلى الواجهة لغة التواصل والتعامل ، ولغة السوق الدولية ، مما سد الآفاق أمام العربية مقابل ابتلاع الإنجليزية والإسبانية مجالات العلوم والتجارة والاقتصاد والتواصل ، هذا فضلا عن أن حظوظ فرص توظيف العربية أخذت تتقلص وتتضاءل إن لم نقل بالكاد انعدمت أمام لغات أخرى ، دون أن نغفل جوانب إيديولوجية ؛ لها دورها المحسوس ؛ في تشييء اللسان العربي ورميه بالأعطاب تلو الأخرى ، وتأتي على رأسها الصهيونية وعملها الدؤوب في طمس كل حضارة يرد فيها ذكر الأثر العربي .
وفي المغرب.
.
.
أما في المغرب ، فهناك تيارات في شكل خلايا خفية تنشط في مجال الإثارة الإثنية ، وتأليب طرف على آخر ، هدفها النيل من مكونات الثقافة المغربية .
هذا عدا التراكمات السياسية التي واكبتها الأنظمة العربية ، وما جلب عليها من ويلات ؛ ما زالت آثارها تعتمل في الميدان حتى الآن ليتلقفها أعداؤها ويتخذوا منها مسوغا لنعت العربية وأصحابها بالنكوص والفشل الذريع ، والعجز على المواكبة ، وأحيانا بالدعوة الى الانفصال عنهم ! دون أن نغفل دور الميديا في تقزيم دور الفصحى عبر الوصلات الإشهارية ، ودبلجة المسلسلات التلفزيونية ـ في مجال الدراما ـ بلغة عامية هجينة ورديئة ، تخلف خدوشا وتشوهات في الرؤى لدى المتلقي المغربي .
.
مع ملاحظة أن فئة عريضة ؛ من الأسر المغربية ؛ حرمت أبناءها منذ نعومة أظفارهم من رضاعة ثدي لغة الأم ( العربية ) ، أو أن تصل إلى أسماعهم أو ألسنتهم ، لزعمها أن هذه اللغة أضحت سمة شؤم وعار لكل من يتواصل بها أو ينتمي إلى عشيرتها !
السياسة الفرنكفونية واللغة العربية
هناك مجلس وطني للغات والثقافات ، إلى جانب معهد الدراسات والأبحاث والتعريب ، وكذا جمعية اللسانيات بالمغرب .
هذه أجهزة هامة تتوفر لها أبحاث ودراسات أكاديمية عن الوضعية اللسانية بالمغرب ، كما أنها تمتلك تصورا إجرائيا عن مستقبل اللغات واللهجات وكيفية تعايشها .
.
.
بيد أن توظيفها عادة ما يصطدم بتلك الصخرة الصلداء التي هي الفرنكفونية فلا تقيم لها اعتبارا أو وزنا في التخطيط اللغوي ؛ على المدى المتوسط ؛ ولا يسعنا هنا إلا أن نحيل القارئ والباحث إلى الأشواط الهامة التي قطعها البحث العلمي ، والتعليم عامة في بعض الدول العربية التي راهنت على اللغة الإنجليزية ؛ ضمن مناهجها التعليمية ؛ مثال دول الخليج ، ومصر ، والأردن .
.
رغم التباين في مواصفات بيئات لغاتها .
فالأجهزة المذكورة آنفا ؛ تعتبر أعضاء مكونة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ، إلا أن نشاطها فاتر بالكاد ولا يذكر إزاء حماة الفرنكفونية .
والمساومة على مستقبل الأجيال المغربية بالرضوخ إلى سياسة عقيمة في فرض فرنسة مناهج التعليم منذ وقت مبكر من التمدرس ، يعد مقامرة بمستقبل المغاربة في التعلم والترقي والمنافسة .
.
.
* باحث ومفتش منسق بوزارة التربية الوطنية سابقا