هبة زووم – الرباط
في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها عالم الإدارة الحديثة، تبرز وزارة التربية الوطنية كأنها عالقة في دوامة من القرارات الإدارية المثيرة للجدل.
أبرز هذه القرارات هو استمرار مدير الموارد البشرية في منصبه رغم بلوغه سن التقاعد، مع الجمع بين منصبين من المناصب العليا.
هذا الوضع لا يعكس فقط تحديا إداريا، بل يمثل فشلا ذريعا في تحقيق معايير الشفافية والعدالة التي تعد ركيزة أساسية لأية مؤسسة تستحضر المبادئ الأساسية لدستور 2011 وتتماشى مع مخرجات النموذج التنموي الجديد الذي يتوخاه عاهل البلاد.
إن سن التقاعد يفترض أن يكون فرصة لفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتولي المسؤولية، إلا أن استمرار المدير الحالي للموارد البشرية بالوزارة، وفي الآن نفسه مديرا بالنيابة للأكاديمية الجهوية لجهة الرباط سلا القنيطرة، يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الوضع؟
هل الأمر يتعلق بندرة الكفاءات المؤهلة لشغل هكذا مناصب؟ أم أن هناك اعتبارات غير معلنة تبرر هذا القرار؟
إن الجمع بين مسؤوليتين كبيرتين ذات الصلة بإدارة الموارد البشرية وإدارة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الرباط سلا القنيطرة، يثير حقيقة علامات استفهام حول التغييب المقصود للكفاءات الأخرى التي يمكن أن تتولى إحدى المهمتين، فتداخل المهام وتضارب المسؤوليات يؤدي إلى تشتت الجهود وغياب التركيز، مما ينعكس سلبا على جودة الأداء.. إذ كيف يمكن للشخص نفسه أن يدير بفعالية وظيفتين تتطلبان التفرغ الكامل؟
كما ان أكثر ما يثير القلق هو تأثير هذه القرارات على معنويات الموظفين، خاصة في بيئة يفترض أن تكون نموذجا للعدالة وتكافؤ الفرص، يشعر الموظفون بالإحباط عندما يرون أن الترقية والتعيين ليستا مبنيتين على الكفاءة، بل على استثناءات غير مبررة.. هذا الإحباط قد يؤدي إلى تراجع الابداع والابتكار، مما يضعف قدرة الوزارة على التطوير.
ومن الجوانب المثيرة للجدل أيضا، ما إذا كان مدير الموارد البشرية يتقاضى التعويضات المخولة لمديري الأكاديميات باعتباره الآمر بالصرف في أكاديمية الرباط؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يتنافى مع المرسوم رقم 364-97-2 الصادر في 16 يونيو 1997، والذي يمنع الجمع بين عناصر الأجرة المنصوص عليها في هذا المرسوم، وأية تعويضات أو مكافآت أخرى،
أما من الناحية القانونية، فإن الوضع الحالي لمدير الموارد البشرية يثير تساؤلات حول مدى توافقه مع الفقرة الثالثة من المادة 11 من المرسوم رقم 412-12-2 الصادر في 11 أكتوبر 2012، التي تسمح بتكليف مؤقت ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لمسؤول بالنيابة في منصب شاغر. علما أن مدير أكاديمية الرباط استفاد من التمديد إلى غاية الخامس من نونبر الماضي 2024، ومن ثمة التساؤل عن وضعه القانوني والإداري حاليا؟
إن تنافي المهام يظهر بوضوح في حالة الجمع بين إدارة عمومية ومؤسسة عمومية، فلكل منهما قانون خاص بها.
وبالتالي كيف يمكن – مثلا – لنائب مدير الموارد البشرية أن يخاطب مدير الأكاديمية بصفته رئيسا في مؤسسة عمومية؟ وكيف يمكن لمدير الموارد البشرية أن يوقع قرارات تخص شخصه بصفته مدير الأكاديمية؟
من القضايا الأخرى التي تستدعي الانتباه التأخر الكبير في موضوع الحركات الانتقالية الذي استغرق وقتا طويلا قبل إخراجه إلى حيز الوجود، مقارنة باتخاذ قرارات أخرى تمت بوثيرة أسرع.. هذا التأخر سيؤثر سلبا على الدخول المدرسي المقبل، مما يزيد من تعقيد الوضع.
فالاستقرار الفعلي للمنظومة يتطلب التركيز على تدقيق وتفصيل المهام وتقييم الأداء بجدية.. هذا النهج يمثل الخطوة الأهم لضمان تحسين الأداء العام وتعزيز الثقة في المنظومة التعليمية، بما يحقق أهدافها في تقديم تعليم عالي الجودة للأجيال القادمة.
فعل يا ترى ستكون لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة الشجاعة القانونية والإدارية والأخلاقية لوضع حد لهذا التسيب وهذه الفوضى بمديرية الموارد البشرية بوزارة المفروض فيها تنزيل مضامين النظام الأساسي الجديد بالكفاءة والجدية والسرعة اللازمة تماشيا مع شعار رئيس الحكومة “تستاهلو حسن”؟ أم إن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن دار لقمان ستبقى على حالها لكون منطق الزبونية والمحسوبية والولاءات الحزبية والسياسية ستبقى متحكمة في قطاع يعتبره صاحب الجلالة يحظى بالأولوية المطلقة بعد قضية وحدتنا الترابية؟
تعليقات الزوار