وزارة التعليم وبداية القطع مع أشكال الريع التربوي أو عندما يخرج جيراندو للتغطية على الفاسدين الحقيقيين!!

هبة زووم – الرباط
في إطلالة غير موفقة هذه المرة، خرج يوم السبت 04 يناير الجاري صاحب قناة “تحدي” المسمى هشام جيراندو القاطن في الديار الكندية عبر شريط فيديو معنون بـ”موظف في الوزارة موقف حياة عباد الله”، ليقدم معطيات مجانبة للحقيقة، ما كان لنا التعليق عليها لولا أن جميع أشرطته عادة ما يختتمها بعبارة (تحياتي للشعب المعتقل وسط الفساد)، ومن ثمة يطرح السؤال؛ هل السيد جيراندو قدمت له معطيات مغلوطة؟ أم إنه في الحقيقة، ليس كل من يدعي محاربة الفساد غير فاسد بالضرورة؟ وبالتالي قد يصدق عليه قول الشاعر: “إذا كان رب البيت بالدف ضاربا … فشيمة أهل البيت كلهم الرقص”
لن نستبق الأمور، ولن نقدم أحكاما جاهزة، ومن باب المسؤولية المنوطة بمؤسستنا الإعلامية التي عادة ما تتحرى الدقة في جميع موادها، خاصة وأنه كما هو معهود فيها؛ النقد الموضوعي غير المهادن، كلما تعلق الأمر بخروقات قانونية مهما تكن الجهة الصادرة عنها، ولا أدل على ذلك، الكم الكبير من موادنا المقروءة والمرئية التي تمت فيها الإشارة إلى مكامن الفساد الإداري والمالي ببعض أكاديميات ومديريات وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في غير تحامل أو محاباة لهذا الطرف أو ذاك.
وبالرجوع إلى مضمون شريط الفيديو المشار إليه أعلاه، نقول -إنه من باب الالتزام بخطنا التحريري وأخلاقيات المهنة – فقد أجرينا تحقيقا استقصائيا دقيقا في شأن ما تضمنه الشريط، بما في ذلك طرق أبواب مسؤولين في الوزارة بهذا الخصوص، وكذا قياديين نقابيين، حيث توصلنا إلى حقائق صادمة، تكشف جزءا من الفساد الذي عمر طويلا بوزارة تلتهم نسبة هامة من ميزانية الدولة، وما تزال تعتريها بعض الأعطاب، رغم أن عجلة الإصلاح قد بدأت فعلا في الدوران مؤخرا على أكثر من صعيد، في أفق تحقيق إقلاع تربوي ينعكس إيجابا على التنمية وطنيا.
من بين هذه الحقائق المفزعة، والتي كانت للوزارة الشجاعة الكافية – في شخص كاتبها العام السيد يونس السحيمي – لوضع الأصبع على أحد مكامن الداء، والتي كانت إلى حد قريب ضمن الطابوهات التي يحذر على أي مسؤول الخوض فيها، لكونها تمس بالمصالح الشخصية لأساتذة “فوق القانون” من منطلق “عين ما شافت، وقلب ما وجع”، الذي اتخذه مسؤولون سابقون في الوزارة ديدنهم ومسلكهم.
وهي الحقائق – التي في اعتقادنا الخاص – لو أن السيد هشام جيراندو كان على علم بها، لتناول الموضوع من زاوية أخرى؛ هي زاوية محاربة هدر المال العام والتستر على “أشباح” بعدما تم لَيُّ عنق القانون في فترات سابقة.
وحتى يتسنى لنا تفنيد العديد من المغالطات التي أشار إليها موقع “تحدي”، نود إحاطة الرأي العام بما يلي:
السيد جيراندو لا يميز بين “الاستيداع” و”الوضع رهن إشارة”، إذ أن لكل منهما تعريف محدد وشروط خاصة لاستفادة الموظف منه، وهما معا نظامان إداريان يطبَّقان على الموظفين في إطار الوظيفة العمومية، ولكل منهما أهداف وشروط خاصة.
فالاستيداع أو ما يصطلح عليه بـ”التوقيف المؤقت عن العمل”؛ هو وضع إداري يسمح للموظف بالتوقف المؤقت عن العمل مع الاحتفاظ برابطه الوظيفي بالإدارة، دون التمتع براتبه، لأسباب تتمثل في ظروف شخصية أو عائلية، أو متابعة الدراسة أو التكوين، أو مزاولة أنشطة خاصة لا تتعارض مع القانون.
وتكمن خصائص الاستيداع في كون الموظف لا يتقاضى راتبًا خلال فترة الاستيداع، ولا تُحتسب هذه الفترة ضمن الأقدمية أو التقاعد، ويتطلب طلبًا مسبقًا من الموظف وموافقة الإدارة، حيث تكون مدته محددة ومتجددة وفق القوانين المعمول بها، وذلك بغرض تمكين الموظف من أخذ استراحة مؤقتة من العمل لأسباب شخصية أو مهنية.
أما الوضع رهن الإشارة، فالمقصود به وضع إداري يسمح للموظف بالعمل لدى إدارة أو مؤسسة عمومية أخرى أو هيئة دولية، مع احتفاظه برابطه الوظيفي بإدارته الأصلية، لأسباب تتمثل في حاجة مؤسسات أو إدارات أخرى إلى خدمات الموظف، وتعزيز التعاون بين الإدارات. ومن خصائصه نذكر؛ استمرار الموظف في تلقي راتبه إما من إدارته الأصلية أو الجهة المستفيدة، مع احتساب فترة الوضع رهن الإشارة ضمن الأقدمية والتقاعد، ويكون بناءً على طلب الإدارة أو اتفاق مشترك بين الجهات، وذلك بغرض الاستفادة من كفاءات الموظف في إدارة أو مؤسسة أخرى دون فقدانه من الإدارة الأصلية.
وبالتالي يتضح الفرق الجوهري الذي غاب عن السيد جيراندو، المتمثل في كون الاستيداع مبادرة شخصية من الموظف لظروف خاصة، ويتوقف عن العمل تمامًا دون راتب. أما الوضع رهن إشارة فلا يعدو أن يكون مبادرة من الإدارة أو باتفاق مع الموظف للعمل في جهة أخرى مع استمرار الراتب واحتساب الأقدمية، علما أنه من حقها (الإدارة) العدول عنه متى شاءت أو انتفت المصلحة العامة في ذلك الوضع رهن إشارة.
وبما أن السيد يونس السحيمي قد خبر جيدا لعبة الأرقام باعتبار التجربة السابقة والمهمة التي راكمها بوزارة المالية حين كان مفتشا بها و -حسب مصادر مطلعة – فقد اكتشف أنه لمدة تناهز عشر سنوات، هناك عدد مهم من الأساتذة ممن هم في وضع مبهم وغير قانوني، ويستفيدون من مناصبهم المالية دون أدائهم لأية مهمة لفائدة الدولة والمجتمع، علما أن أصحاب الشواهد العليا في وضعية عطالة.
فهؤلاء الأساتذة المحظوظون يستفيدون من أجرتهم ومن كافة التعويضات والامتيازات المخولة لمن يمارسون فعليا مهامهم المنوطة بهم في مؤسسات تعليمية بالمداشر والجبال والفيافي.
والخطير في الأمر أن العديد من هؤلاء الأساتذة المستفيدين من هكذا ريع غير قانوني، يتابعون دراساتهم خارج الوطن، ومنهم من يدير مشاريع شخصية مدرة للدخل، وبعد رجوعهم النهائي إلى المغرب، يتقدمون بشواهدهم ويشتغلون في قطاعات أخرى، وبالتالي تصبح وزارتهم الأصلية فقط جسرا لتحقيق مآربهم الخاصة دون أن تستفيد منهم، بل بالعكس، فإنهم يمثلون عبئا ماليا كبيرا بالنظر إلى أن عددهم يتجاوز 600 أستاذ(ة) ابتداء من سنة 2014 إلى الآن، وكلهم متواجدون خارج التراب الوطني.
أما أولئك الذين أشار إليهم موقع “تحدي” فإن عددهم يصل إلى 165 أستاذا(ة)، منهم من قدم استقالته، ومنهم استفاد من التقاعد النسبي، واستنادا إلى ذات المصادر الموثوقة، فسيتم تخييرهم إما بالالتحاق بمقرات عملهم بالمغرب، أو طلب الاستفادة من التقاعد النسبي، والبقاء هناك في أوروبا ومواصلة نمط حياتهم الجديدة هناك، خاصة وأن منهم من تزوجوا بأجانب وأجنبيات، وانخرطوا في مشاريعهم الخاصة، إذ لا يعقل أن يستمر هذا الوضع غير السوي، من خلال “رهن” مناصب مالية باسم أشخاص لا يؤدون أية خدمة لأبناء المغاربة، في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا. ناهيك عن كون العديد من أولئك المحظوظين/ات ما فتئوا يتابعون دراستهم ويحصلون على شهادات يطالبون عبرها لاحقا بتغيير إطارهم، أو حتى تغيير الوزارة التي ينتسبون إليها، ومن ثمة الاندماج في إدارات أخرى ذات جاذبية، بمعنى أنه يتحقق لهؤلاء ميزة الترقي الاجتماعي والمادي على حساب التلاميذ المستضعفين من بنات وأبناء المغاربة، ممن قد يجدون أنفسهم في مؤسسات تعاني الاكتظاظ بفعل الخصاص في أطر التدريس.
إن مزيدا من السكوت على هذا الريع المبلقن، لا تؤدي ثمنه فقط الوزارة ومعها المدرسة المغربية، وإنما كذلك يعصف بمبدأ تكافؤ الفرص بين أطر المنظومة، إذ كيف تستقيم مراقبة ومحاسبة الأستاذ(ة) – الذي يكد ويبذل جهودا مضنية حتى في أحلك الظروف – على أدائه المهني عبر طرق متعددة، وقد يحدث أن يتغيب أو يتأخر لبضعة دقائق، لتتم محاسبته بالاقتطاع من أجرته، في الوقت الذي تحفظ فيه جميع الامتيازات الإدارية والمالية لأشخاص آخرين رغم عدم اضطلاعهم بأية مهمة تذكر، فقط لأنهم حصلوا في زمن سابق على استيداع “غير قانوني” ولكونهم يعرفون من أين تؤكل الكتف، ولأن “خالتهم كانت في العرس ذات زمن متسيب”، خاصة وأن المذكرة المنظمة للاستيداع لا تتضمن من ضمن شروطها التدريس خارج المغرب، وهو ما يعتبر أحد الانزلاقات التي وضعت اليد عليها الوزارة بمسؤوليها الجدد، عاقدين العزم على الحسم معها، وإيقاف مزيد من نزيف هدر المال العام، علما أن الخصاص الفعلي في أطر التدريس بسلك الابتدائي لوحده يتجاوز 3000 أستاذ(ة)، وإذا ما استحضرنا مطالب أساتذة هذا السلك بتخفيض ساعات العمل بثلاث ساعات أسبوعيا، مع الحفاظ على نفس ساعات التدريس بالنسبة للتلميذ، فإن الخصاص الفعلي الذي سينجم عنه هذا الإجراء سيتطلب إحداث ما يناهز 50.000 منصب مالي جديد، بمعنى ميزانية ثلاث سنوات مالية خاصة بالتوظيفات الجديدة.
ونقصد هنا فقط تعويض النقص الحاصل حاليا في أطر التدريس، بغض النظر عن الحاجيات السنوية. وهو بالمناسبة ما تنكب على دراسته حاليا اللجنة الدائمة في شأن تفعيل هذا الالتزام بالشكل الذي لا يضر بالمصلحة الفضلى للتلميذ، وكذا تخفيف عبء ساعات العمل الأسبوعي للأستاذ.
وإجمالا، وبعد أن قامت الوزارة بتشخيص دقيق لوضعية مواردها البشرية بلغة الأرقام، وبعد أن رصدت مكامن الخلل سواء بالنسبة لهذا الملف أو ملفات أخرى سيتم اتخاذ إجراءات أخرى حاسمة في شأنها قريبا، وبالعودة إلى القضية التي أثارها موقع “تحدي”، فيمكن للمستفيدين من وضعية رهن إشارة – بعدما تنتهي المدة القانونية المسموح بها إن هم اختاروا البقاء النهائي في بلدان المهجر – الاستفادة من التقاعد النسبي، عوض البقاء في مثل هذه الوضعية اللاقانونية، وإلا ستتخذ في حقهم مسطرة العزل، على اعتبار أن الموظف الذي يتعمد الانقطاع عن عمله يعتبر في حالة ترك للوظيفة، ويعد حينئذ كما لو تخلى عن الضمانات التأديبية التي ينص عليها النظام الأساسي الجديد.
إذ لا يعقل في ظل الخصاص الكبير في أطر التدريس، أن يتم غض الطرف عن عدد مهم ممن يستفيدون من وضع ملتبس لعدة سنوات، وألا تتم مطالبتهم بتحديد اختيارهم بدقة؛ إما بالاشتغال في المؤسسات التعليمية بوطنهم الأم كما هو منصوص عليه قانونا، أو الاستفادة من وضعهم بالخارج بعد تقديم استقالاتهم، من أجل استفادة آلاف المعطلين من هذه المناصب المالية.
كما أنه ومن باب تداول الاستفادة من “الوضع رهن إشارة” بين جميع الأساتذة على قدم المساواة قصد تدريس أبناء الجالية المغربية، فإن المفروض في من استفاد من هذا الوضع لسنتين أو أربع سنوات، أن يتسم بحس المواطنة، وأن يترك الفرصة لأساتذة آخرين لخوض نفس التجربة، وليس “تحفيظ” هذا الامتياز للأبد باسم من أسعفته الظروف، إما لكون نقابة ما تدافع عنه، أو “عندو خالتو في العرس”!!
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح هو: لماذا هذا الوضع المشبوه لا يوجد في قطاعات أخرى، فمثلا موظف بوزارة الخارجية في دولة ما، عندما تنتهي مدة انتدابه هناك، يحزم حقائبه ويعود أدراجه دون أية شوشرة، ولا يتذرع بمصالحه الخاصة بدعوى أنه تزوج في بلد المهجر، أو أن امتيازاته هناك قد تتأثر، أو ما إلى ذلك من المبررات الواهية! فلماذا إذن نقبل هذا الاستثناء فقط بالنسبة لبعض المحظوظين والمحظوظات بقطاع التعليم؟
أما بالنسبة للقول بأن الكاتب العام للوزارة يقطن في فيلا، وهو الزعم الذي لا يمكن إدراجه إلا في إطار “البوليميك” الفارغ، خاصة إذا ما علمنا أن العديد من الأساتذة يقطنون في فيلات بمساحات مهمة، بعدما استفادوا من بقع في إطار وداديات أو تعاونيات سكنية بأثمنة مناسبة، ومع ذلك، فإن مؤسستنا الإعلامية نبشت في هذا الموضوع، وتوصلت إلى أنه لا يعدو أن تكون مغالطة عارية عن الصحة، ببساطة لكون الكاتب العام للوزارة يقطن في منزل عادي بحي العكاري الشعبي، بل ويتنقل إلى الوزارة صباحا مشيا على الأقدام، أما سيارة المصلحة فلا يستعملها إلا عندما يتعلق الأمر بتحرك إلى مؤسسات إدارية بغرض المهام الموكولة إليه.
ولأن المناسبة شرط، ولأنه سبق لموقع “تحدي” عبر صاحبه هشام جيراندو أن خاطب أحد مؤثري اليوتيوب قائلا له: (بقى في صباغتك، ولا تغير خطك التحريري للابتذال…)، فإننا نقول له بدورنا، إذا أردت فعلا المساهمة في محاربة الفساد بحس وطني، بعيدا عن أية مزايدات أو أجندات خاصة، فاقصد المفسدين الحقيقيين، ولا تستقوي عبر إشاعة المغالطات على الوطنيين الحقيقيين ممن يبذلون قصارى جهودهم بغية وضع لبنة من لبنات تنميته، والذين يعتبر السيد يونس السحيمي أحد رجالاته الصادقين، باعتباره نموذجًا للإنسان العصامي الذي استطاع بفضل اجتهاده وإصراره أن يشق طريقه نحو النجاح، كابن للشعب ومنتمٍ للطبقة المتوسطة اجتماعيًا، حيث بنى مسيرته خطوة بخطوة، مرتكزًا على القيم الأصيلة والالتزام الراسخ بخدمة الوطن، والمساهمة في تطوير قطاع التعليم الذي يُعد ركيزة أساسية للنهوض بالمجتمع، فهو يجسد بحق قصة نجاح تستحق الإشادة، دوما تجه قريبًا من هموم وتطلعات أطر المنظومة، ولا أدل على ذلك، جرأته في اقتحام تجمع حاشد لمحتجين من الأطر الإدارية أمام مقر الوزارة يوم الخميس 02 يناير الجاري، وتناوله مكبر الصوت، ومخاطبته إياهم بلغة الحقيقة والواقع والممكن، خطاب جعل المحتجين يستشعرون صدقه ويبادلونه بتصفيق حار، ينم عن طينة الرجل الذي يسعى بخطى حثيثة إلى النهوض بالقطاع والمنتسبين إليه، إيمانًا منه بأن التعليم هو المفتاح الأساسي لتحقيق التنمية المستدامة والرقي بالمجتمع، عبر بوابة تعزيز ثقافة الاعتراف وتحقيق العدالة بين كافة أطر المنظومة وإتاحة الفرص أمام الجميع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد