ميدلت تنزف تراثها.. “فراقشية الآثار” يقطعون ويهربون صخرة ميبلادن الأثرية في صمت مريب

هبة زووم – محمد بوبيزة
بينما تنشغل سلطات إقليم ميدلت بملاحقة تفاصيل الحياة اليومية وتدبير الملفات الإدارية العادية، وقعت جريمة تراثية مروّعة في قلب موقع جيولوجي يصنف من بين الأندر على المستوى الوطني والدولي.
صخرة أثرية تعود لما بين 110 و115 مليون سنة، تحمل آثار أقدام زواحف طائرة (بتيروزورات) وسلاحف وديناصورات، اختفت فجأة من موقع “ميبلادن”، بعدما تم تقطيعها بعناية إجرامية وسرقتها بالكامل.
الجريمة لم تُرتكب في جنح الظلام فحسب، بل في ظل صمت رهيب، يطرح أسئلة كبيرة عن من تجرأ على الاقتراب من “وثيقة أثرية” بحجم هذه الصخرة، ومن سهّل حملها رغم وزنها الكبير، ومن هرّبها إلى الخارج، إن صحّت الفرضية، دون أن تتحرك أجهزة الرقابة الجمركية، في خرق سافر للفصل 23 من مدونة الجمارك الذي يضع المستحثات تحت الحظر التام.
أين كانت السلطات؟ وأين هي الآن؟
الخبر الذي كشفته جريدة هسبريس الإلكترونية استند إلى خبير جيولوجي وأستاذ جامعي، وهو ما يعطيه المصداقية العلمية التي لا تحتمل التأويل.
لكن الأكثر فداحة من الجريمة نفسها هو الغياب التام لأي مسؤول يعنى بالتراث الأثري والجيولوجي في الإقليم، وكأن الأمر لا يعنيهم. ما يطرح علامات استفهام حول تراخي الدولة في حماية هذا الموروث العلمي والثقافي.
إذا كانت هذه الصخرة الثمينة قد سُرقت، فمن يحمي باقي المواقع المنتشرة في الإقليم؟ وماذا عن عشرات “المتاحف والدكاكين” التي تعرض مستحثات يُشتبه في أن أغلبها مصنوعة لتمويه الزبناء، بينما تُخفى القطع الأصلية وتهرّب إلى الخارج بملايين الدولارات؟
من يستفيد؟ ومن يتواطأ؟
لا يمكن لعملية بهذا الحجم أن تتم دون تواطؤ أو تستر أو صمت مقصود. هناك من يستغل التخبط القانوني، والفراغ المؤسساتي، وغياب الحراسة، بل وحتى “النفوذ”، ليتلاعب بكنوز تراثية لا تُقدّر بثمن.
الجريمة مكتملة الأركان، وتحمل بصمات “فراقشية الآثار”، أولئك المهربين الذين لا يسرقون فقط حجارة، بل ينهبون هوية وتاريخ وذاكرة جماعية.
المطلوب الآن
هذه ليست مجرد صخرة، بل وثيقة أركيولوجية من المفترض أن تكون في متحف وطني أو معهد للبحث العلمي. لذلك فإن المطالبة بتحقيق قضائي وعلمي عاجل لم تعد ترفًا، بل واجب وطني. يجب تحديد المسؤوليات، والكشف عن الجهات الضالعة، وتعقب مصير هذه الصخرة سواء داخل المغرب أو خارجه.
كما أن على السلطات المحلية والجهوية، وكذا وزارة الثقافة والنيابة العامة، أن تعي أن حماية التراث ليست مسألة فرعية، بل قضية سيادة ثقافية وتاريخية. الصمت لم يعد مبررًا، والمسؤولية لم تعد محتملة التأجيل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد