ساحات تُرمم ومدينة تنتظر الحياة: الحسيمة بين تجميل الواجهة وتأجيل التنمية الحقيقية

محمد الورياشي – الحسيمة
بين تفاؤل بحركية عمرانية جديدة وحسرة على غياب المقاربة الشاملة، تعيش مدينة الحسيمة على وقع بداية أشغال تهيئة بعض ساحاتها الرمزية، في خطوة تبدو كأنها تبعث الحياة في مفاصل المدينة التي طالها الإهمال، لكنها في العمق تطرح سؤالًا أكبر: هل يكفي ترميم الساحات لإعادة الاعتبار لمدينة تبحث عن عدالة تنموية مفقودة؟
ففي ساحة إفريقيا، الواقعة قرب مسجد غينيا، وساحة الريف المعروفة بـ”فلوريدو” وسط المدينة، بدأت الجرافات تشتغل، ورفعت الحواجز، وانطلقت الأشغال لإعادة تأهيل هذه الفضاءات العمومية. وتشكل هذه الساحات أكثر من مجرد مناطق للاستراحة أو التجول؛ إنها معالم راسخة في وجدان سكان المدينة، تحكي فصولًا من الذاكرة الجمعية وتحمل شحنة رمزية وتاريخية وثقافية عميقة.
وتأتي هذه الأشغال في سياق توجه جماعي لتجميل الفضاءات الحضرية وتعزيز جاذبية المدينة السياحية، وهو أمر مرحب به بلا شك. غير أن هذه الخطوة سرعان ما تقابلها ملاحظة غائبة لا يمكن التغاضي عنها: أين هي لوحة المشروع؟
في مشهد يتكرر، تغيب مرة أخرى لوحة الإشهار التي من المفترض أن تتضمن تفاصيل جوهرية من قبيل مدة الإنجاز، كلفة المشروع، اسم المقاول، الجهة صاحبة المشروع، وهوية المهندس المشرف.
هذه التفاصيل ليست شكليات إدارية، بل ركيزة للشفافية وحق المواطن في المعلومة، كما تنص على ذلك مضامين الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية.
غياب هذه المعطيات يعمّق شعورًا متناميًا لدى عدد من المواطنين بأن مشاريع التهيئة تظل حكرًا على نخبة ضيقة دون إشراك مجتمعي حقيقي، وكأن الفضاء العمومي يُعاد تشكيله دون استشارة ساكنيه أو مراعاة لحاجياتهم اليومية.
وإذا كانت إعادة تهيئة هذه الساحات تُمثّل بادرة إيجابية، فإن السؤال الأهم يبقى معلقًا: أين هي المشاريع الموازية التي تلامس الواقع المعيشي؟ أين الاستثمارات المنتجة لفرص الشغل؟ أين المشاريع التنموية المهيكلة التي يمكن أن تخرج شباب الحسيمة من البطالة والتهميش، وتضع المدينة على سكة التنمية المستدامة؟
وفي ظل انتظارية قاتلة تخنق الطموحات، ما تزال الحسيمة مدينة تعيش انفصامًا عمرانيًا وتنمويًا، بين تجميل الواجهة وترك العمق عرضة للركود.
ويأمل المواطنون، وسط هذه التغييرات الظرفية، أن تكون الأشغال الجارية مقدمة لتحوّل أشمل، يتجاوز الترقيع البصري ليصل إلى جوهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق الإنصاف المجالي ويعيد الثقة في السياسات العمومية.. فالتنمية لا تُقاس فقط بجمال الساحات، بل بمستوى العيش الكريم وفرص العمل والاستثمار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد