هبة زووم – إلياس الراشدي
في مدينة الجديدة، حيث يُفترض أن تسكنها السكينة ويؤطرها القانون، تُكتب فصول فضيحة حضرية مكشوفة، لا تحتاج إلى كثير من البحث أو التنقيب.
كل ما عليك هو أن تمر قرب ميناء الصيد البحري، لتشاهد بأمّ عينيك كيف تحوّل الرصيف، ذاك الفضاء الذي شُيّد لأجل المارة، إلى امتداد فاجر لنفوذ مطعم خاص، في مشهد يُجسد فعليًا سقوط الدولة داخل المدينة.
المكان ليس عشوائيًا، بل هو جزء من الذاكرة اليومية لبحارة المدينة، وممر يفترض أن يحترم رمزيته وكرامة المواطنين الذين يمشون عليه.
غير أن الحقيقة هنا تقول شيئًا آخر: مستثمر، مدعوم على ما يبدو بعلاقات فوقية نافذة، قرر أن لا يعترف بأي مؤسسة، ولا بأي قانون، وأن يستولي على الرصيف والطريق، مستندًا فقط إلى قناعة راسخة بأن القانون لا يُطبّق إلا على الضعفاء.
رصيف كامل ابتُلِع، والطريق اقتُطع منها جزء معتبر، في تحدٍّ فجّ لا يخلو من استفزاز لسكان المدينة، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للنزول إلى الشارع وتعريض حياتهم للخطر، فقط لأن السلطة اختارت الصمت أو التواطؤ أو ربما الرضى غير المعلن.
في قلب هذه الفضيحة، لا يمكن إعفاء المسؤول الأول عن الإدارة الترابية من المساءلة، عامل إقليم الجديدة، محمد العطفاوي، يجد نفسه اليوم في مرمى اتهامات مباشرة من طرف الرأي العام المحلي، بالصمت المريب في أفضل الحالات أمام بيع المجال العمومي في المزاد العلني لمن يدفع أكثر، أو لمن يمتلك المفاتيح الخفية للوصول إلى “الباب المعلوم”.
فمن سمح بهذا التمدد الغريب لمطعم خاص على حساب المواطنين؟ أين هي الشرطة الإدارية؟ وأين هي قرارات الهدم والتحرير التي تطال فقط الباعة الجائلين والفقراء؟
ولماذا تجرّ السلطات أقدامها حين يكون المتعدّي “صديق صدوق”، بينما تسنّ سيوفها حين يكون المعتدي مواطنًا بسطًا يسعى للقمة عيش من كيس بلاستيكي؟
ما نعيشه اليوم بالجديدة ليس فقط خرقًا واضحًا للقانون، بل هو اختزال دقيق للفشل البنيوي الذي تعيشه المدينة تحت إدارة السلطة الترابية، مدينة تُباع قطعة قطعة، وفضاءاتها تُنهب نهارًا جهارًا، في ظل صمت رسمي لا يمكن تفسيره إلا بالتواطؤ أو الخنوع أمام المصالح واللوبيات.
إن استمرار هذا الوضع لن يؤدي فقط إلى تآكل ثقة المواطن في مؤسساته، بل سيفتح الباب أمام مزيد من التجرؤ على الممتلكات العامة، وسيعزز الإحساس بأن المدينة ليست سوى غنيمة مفتوحة لمن يملك المال والنفوذ.
والسؤال الذي يطرحه سكان الجديدة اليوم بمرارة: هل أصبحت المدينة بلا حامٍ، تُباع على الأرصفة، وتُدار بمنطق السوق لا منطق المرفق العام؟
تعليقات الزوار