سطات تختنق بـ”السلسيون”: لصاق الإطارات يتحول إلى بوابة للجريمة والانهيار التربوي

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في ظل صمت رسمي مريب، واستكانة واضحة من الجهات الأمنية والمجالس المحلية، تعيش مدينة سطات هذه الأيام على وقع استفحال خطير لظاهرة تعاطي مادة “السلسيون”، وسط الأطفال واليافعين وضمن محيط المؤسسات التعليمية، حتى أصبحت رائحة هذا “اللصاق المخدر” تزكم أنوف المارة في بعض الأحياء الشعبية، وعلى رأسها حي سيدي عبد الكريم (دلاس)، الذي يُوصف اليوم بـ”بؤرة السلسيون” بامتياز.
من لصاق ميكانيكي إلى أداة تدمير جماعي، تحول “السلسيون” في سطات إلى مخدر سريع التأثير، رخيص الثمن، ومتاح في متناول الجميع، مما جعله الخيار الأول لتعاطي المخدرات في صفوف القاصرين، الذين يتسللون إلى الأزقة الخلفية، حاملين قطعًا من القماش أو أكياسًا بلاستيكية، يغمسونها في المادة ثم يلصقونها على أنوفهم، في مشهد يدمي القلوب ويثير الرعب الجماعي لدى السكان.
الأخطر في الظاهرة، حسب شهادات سكان محليين، أن محيط الإعداديات والثانويات تحول إلى مسرح مكشوف لتعاطي هذه المادة القاتلة، خصوصًا خلال فترات الصباح الباكر والمساء، مستغلين ضعف الإنارة وغياب الحراسة، حيث يتربص “الشمكارة” بالقاصرين، ويدفعونهم إلى الاستهلاك والترويج داخل المدارس.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن مدة تأثير “السلسيون” على الدماغ لا تتعدى نصف ساعة، لكنها كافية لتجريد المتعاطي من إدراكه الكامل، وقدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، مما يُمهّد لجرائم عنف، واعتداءات جنسية، وسرقات. المادة لا تُحدث إدمانًا جسديًا فقط، بل تسحب صاحبها نحو مستنقع الإجرام والانهيار التام.
ورغم كل هذه المعطيات، لا تزال عبوات السلسيون تُباع بشكل علني في محلات متخصصة في بيع لوازم الميكانيك، دون أن تطالها يد الرقابة أو تدخل سلطات حماية المستهلك والصحة العمومية. ثمن العبوة لا يتجاوز 20 درهمًا، مما يجعلها في متناول التلاميذ وذوي الدخل المحدود، بينما تُحصد عائدات كبيرة من بيعها بشكل غير مشروع.
ويعزو عدد من المتتبعين تنامي الظاهرة إلى غياب تدخل أمني صارم، وتقاعس من المجالس المنتخبة في محاربة الاتجار غير القانوني بالمادة، فضلاً عن قصور البرامج التحسيسية داخل المؤسسات التعليمية، التي تكتفي أحيانًا بالتوعية النظرية، دون مصاحبة نفسية أو دعم فعلي للتلاميذ المهددين بالسقوط في براثن الإدمان.
وفي هذا السياق، عبّر عدد من المواطنين عن غضبهم الشديد من تفشي الظاهرة أمام أعين السلطات، مطالبين بضرورة فتح تحقيقات عاجلة، ومعاقبة المتورطين في توزيع هذه المادة القاتلة، سواء كانوا تجارًا أو مروجين في الأحياء والمدارس، كما طالبوا بتنظيم حملات تربوية موازية داخل الفصول الدراسية، وتوفير آليات الإنصات والدعم النفسي للأطفال المعرضين للخطر.
وتبقى مسؤولية مواجهة الظاهرة، حسب متتبعين، شراكة متكاملة بين السلطات الأمنية، قطاع الصحة، وزارة التربية الوطنية، والمجتمع المدني، من أجل وضع حد لتجارة الموت التي تُهدد جيلاً بأكمله بالضياع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد