عيد الأضحى بين حكمة الملك وفوضى الأسواق: حين يفشل المجتمع في ترجمة التوجيه إلى التزام جماعي

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في خضم أزمة بيئية واقتصادية غير مسبوقة، اتخذ أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، خطوة إنسانية ورمزية بالغة الأهمية عندما أهاب بالمواطنين بعدم ذبح الأضاحي هذا العام، حفاظًا على ما تبقى من القطيع الوطني، الذي تأثر بشكل حاد بموجات الجفاف والندرة في الأعلاف، وهي دعوة ليست فقط تعبيرًا عن وعي اقتصادي، بل أيضًا رسالة دينية متقدمة تؤسس لتدين عقلاني مرتبط بالواقع، لا بالطقوس الشكلية.
لكن، وبين السمو الرمزي للتوجيه الملكي، وما شهدته أسواق المواشي في الأيام الأخيرة، تظهر فجوة سوسيولوجية مقلقة، لا تنبع من رفض مباشر للدعوة، بل من تغليب العادة على الفكرة، والشعيرة على الغاية منها.
فقد تحوّلت الأسواق إلى فضاءات مزدحمة بالباحثين عن “الحولي”، في مشهد يُكذّب البلاغات ويضعف من وقع التوجيه الملكي في النفوس.
والأدهى أن الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي – والذي تجاوز 500 درهم إضافية في بعض المناطق – لم يكن نتيجة طبيعية لقانون العرض والطلب فقط، بل كشف عن استغلال فجّ للوضع من قبل بعض المربين والتجار، الذين اعتبروا السياق الاستثنائي فرصة للربح، لا لحظة للتضامن أو التقشف الجماعي.
إن المشهد برمته يطرح أسئلة عميقة حول مدى قدرة الدولة على تفعيل قراراتها الرمزية في واقع معقد تحكمه الثقافة أكثر من القانون، فالتوجيه الملكي، رغم مكانته ووضوحه، لم يجد صدى فعليًا لدى فئات واسعة، لا لأنها ترفضه، بل لأنها ببساطة لم تتعود أن تُفعّل مواطنيتها خارج حدود العادة الدينية والاجتماعية.
من جهة أخرى، يُظهر هذا السلوك الجمعي أن هناك خللًا في آليات الوساطة والتأطير المجتمعي، فغياب خطاب ديني عقلاني يواكب التوجيه، وافتقار الإعلام إلى جرأة الشرح والمرافعة لصالح المصلحة الوطنية، جعلا من قرار “عدم الذبح” توصية عائمة في بحر من التقاليد.
والواقع أن هذا العيد، بدل أن يكون مناسبة للتراحم والتفهم، تحوّل إلى موسم للمضاربة واستنزاف القدرة الشرائية، إذ لم تسلم حتى المنتجات الثانوية من موجة الغلاء، حيث بلغ سعر “الدوارة” في بعض المدن 700 درهم، في دليل آخر على أن السوق المغربي، في غياب الحوكمة والرقابة، قادر على تحويل الأزمات إلى فرص للربح الفوضوي.
لذلك، لا يكفي أن يُطلق الملك مبادرات نبيلة – وهي كثيرة – بل لا بد من ثقافة مؤسساتية ومجتمعية تترجم التوجيه إلى التزام جماعي واعٍ، وهو ما لم يحدث، لسبب بسيط: القرار لم يجد وسطاء حقيقيين في المجتمع، لا سياسيين ولا دينيين ولا إعلاميين، لشرحه وتحصينه ضد ثقافة العادة.
ما حدث هذا العام ليس مجرد تجاهل ظرفي لتوجيه ملكي، بل مؤشر خطير على التآكل البطيء للقدرة على ضبط السلوك الجماعي في لحظات تستدعي الانضباط والتضامن.
وبين حكمة القيادة وارتجال السوق، يظل المواطن في موقع المتفرج المرهق، الذي لا يدري هل يحتفل بالشعيرة، أم يلتزم بحمايتها عبر الامتناع عنها.
عيد هذا العام لا يُختزل في خروف ولا شعيرة، بل هو مرآة تعكس مدى نضج المجتمع في ترجمة التدين إلى سلوك مسؤول، وليس فقط إلى مظاهر موسمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد