هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد يكاد يُجسّد المفارقة المغربية بامتياز، خرج وزير الفلاحة أحمد البواري بتصريح حماسي ليعلن عن إطلاق “برنامج وطني لدعم مربي الماشية”، مستندًا إلى توجيهات ملكية صدرت عن المجلس الوزاري المنعقد يوم 12 ماي 2025.
هذا، وقد وُصف البرنامج بأنه خطوة نحو “إعادة تشكيل القطيع الوطني بشكل مستدام ومهيكل”. لكن خلف هذه الشعارات الوردية، ترتسم أسئلة موجعة عن منطق التوقيت، وهوية الفاعلين، ومآلات مسار ظل مختلًا لعقود.
ففي عز أزمة ندرة الأضاحي وارتفاع أسعارها، وبينما تكابد الأسر المغربية في المدن والقرى لتأمين كبش العيد، يواجه هذا البرنامج، حتى قبل ولادته الفعلية، شبح الفشل البنيوي المتوارث في وزارة الفلاحة.
ذلك أن برامج “الدعم”، حين تتحول إلى قنوات ريعية، لا تنجب سوى خيبات موسمية يعاد تدويرها بنفس الوجوه ونفس الأدوات، بلا اعتراف ولا محاسبة.
اللافت في هذا الإعلان أنه جاء من وزير كان جزءاً عضوياً من المشكل قبل أن يُمنح صفة المصلح؛ أحمد البواري، القادم من دهاليز تدبير ملف الماء والري داخل نفس الوزارة، يتحمل – موضوعيًا – جزءًا من المسؤولية في ما آلت إليه الفرشة المائية المنهكة، والتي تشكل العمود الفقري لتغذية القطيع الوطني.
غاب التقييم، غاب الاعتذار، وغاب حتى أدنى درجات المكاشفة، ليُفتح فصل جديد من “الإصلاح”، لا أحد يعرف مدى جديته.
أما القطيع، الذي أصبح موضوعًا لتقارير وزارية وخطابات سياسية، فهو في الحقيقة عنوان لفشل السياسة الفلاحية ككل، حيث لم تعد الوزارة تُخاطب الفلاح البسيط، بل تُخاطب شركاء “اللوبيات” ومصالح النفوذ.
لقد تحوّل الفلاح، في مناطق نائية من المغرب، إلى متفرج على برامج لا تصله، وشاهد على دعم لا يراه، ومتضرر من قرارات تتخذ باسمه دون أن يُستشار أو يُستحضر.
ومع اقتراب عيد الأضحى، وفي ظل العجز عن توفير أضاحٍ بأسعار معقولة، تلوح في الأفق أزمة ثقة متجددة بين المواطن والدولة.
أزمة لن تُحل بالبلاغات الوزارية، ولا بالشعارات الكبرى، بل بـالجرأة السياسية في مواجهة من أفشلوا برامج الدعم السابقة، وبقطع الحبل السري الذي يربط الريع بالمناصب.
من جهة أخرى، لا يمكن استحضار فشل قطاع الماشية دون العودة إلى حقبة طويلة هيمن فيها عزيز أخنوش على دواليب الوزارة، دون أن تُفضي سياسته إلى نتائج ملموسة بالنسبة للفلاح البسيط.
بل على العكس، تم ترسيخ بنية فئوية ضيقة تستفيد منها شبكة من الوسطاء والسماسرة، أُلبست لباس “المهنيين”، فيما تم تهميش المزارع الحقيقي الذي يُطعم السوق من شقائه.
اليوم، تتطلب اللحظة مصارحة وطنية تبدأ من طرح السؤال الصعب: هل نحن أمام برنامج لإصلاح القطاع فعلاً، أم أمام محاولة لإطفاء الحرائق السياسية والاجتماعية بأدوات متهالكة؟ وهل من المنطقي أن يُكلف من ساهم في الاختلال بإصلاحه؟
إن “إعادة بناء القطيع” لا يمكن أن تتم بمنظومة مهترئة وخطاب متكلس. المطلوب أولاً هو إعادة بناء الثقة، وإعادة هيكلة الوزارة، وإخضاع المسؤولين للمحاسبة.
فالمغاربة، الذين حُرم كثير منهم من أضحية هذا العيد، لن يُقنعهم خطاب دبلوماسي جديد من فوق، ما دام الواقع من تحت يعج بالكذب، والزبونية، و”الشنّاقة” المزمنين.
فليتذكر صناع القرار أن الأزمات الموسمية لم تعد موسمية، بل صارت سلوكًا بنيويًا للسياسة العمومية، وأن الأكباش الضائعة ما هي إلا انعكاس للقطيع الأكبر: قطيع الثقة الذي بات في حكم المنقرض.
تعليقات الزوار