هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد يتكرر بسيناريوهات مختلفة كل عام، شهدت جماعة سبت الكردان التابعة لإقليم تارودانت، صباح الإثنين 26 ماي 2025، حادثة سير مأساوية، راحت ضحيتها أربع نساء يعملن في الحقول، وأُصيبت أخريات بجروح متفاوتة الخطورة، إثر انقلاب سيارة غير مهيأة كانت تقلّ حوالي 14 عاملة فلاحية.
المأساة التي صدمت الرأي العام المحلي والوطني، فجّرت مجددًا ملفًا شائكًا طالما تم التغاضي عنه: هشاشة النقل المخصص للعاملات والعمال الفلاحيين، وغياب شروط الكرامة والسلامة داخل عربات تُستعمل غالباً بطريقة عشوائية، وبوسائل لا تصلح حتى لنقل البضائع.
ولم يتأخر التفاعل السياسي مع الحادث، إذ سارع المستشار البرلماني خالد السطي إلى توجيه سؤال كتابي لكل من وزير الداخلية، ووزير النقل واللوجستيك، ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، طالب فيه بكشف التدابير المستعجلة التي تعتزم الحكومة اتخاذها لحماية أرواح العاملين في القطاع الفلاحي، وضمان وسائل نقل تراعي الحد الأدنى من السلامة والكرامة.
السطي أكد في سؤاله أن “مثل هذه الحوادث المأساوية لم تعد استثناءً، بل أصبحت مشهداً سنوياً مألوفاً في العديد من المناطق الفلاحية”، محملاً المسؤولية لضعف آليات المراقبة، وغياب إطار قانوني صارم ينظم وسائل النقل المخصصة لهذه الفئة الهشة.
الحادثة، وإن كانت فردية في ظاهرها، تسائل من جديد منطق العدالة المجالية في السياسات العمومية، حيث تظل المناطق القروية والمجالات الفلاحية في ذيل أولويات التنظيم والتأطير، رغم مساهمتها الحيوية في الاقتصاد الوطني. فالعاملات الفلاحيات، وهنّ في الغالب نساء معيلات لأسر، يُجبرن على قبول ظروف نقل محفوفة بالمخاطر من أجل كسب لقمة العيش، في غياب بدائل تحترم كرامتهن وتضمن لهنّ الحد الأدنى من الأمان.
وأمام تكرار هذه الفواجع، يبرز سؤال المسؤولية: من يحاسب أرباب العمل الذين يستخفون بحياة العاملات؟ وأين تتوقف حدود مسؤولية الدولة في فرض احترام القانون وتوفير منظومة نقل ملائمة؟ وهل يكفي أن تُسجل هذه الحوادث كأرقام في سجلات الدرك والشرطة، دون أن تترجم إلى إصلاحات تشريعية وميدانية؟
المراقبون يرون أن الأمر لم يعد يحتمل مزيداً من التسويف، خاصة مع تصاعد الأصوات الحقوقية المطالبة بإخراج قانون خاص بنقل العمال والعاملات في القطاع الفلاحي، وتكثيف المراقبة على العربات المستعملة، وربط الدعم الفلاحي باحترام شروط العمل الكريم.
فاجعة “سبت الكردان” لم تكن فقط حادثة مرور؛ كانت صرخةً دامية من الهامش، من نساء خرجن بحثاً عن الرزق فعدن جثثاً، ومن عائلات استيقظت على خبر رحيل بناتهنّ في عربات الموت.
هي دعوة لكل الفاعلين، من سياسيين ومشرّعين وجمعيات، إلى مراجعة حقيقية لنموذجنا التنموي في العالم القروي، حتى لا تبقى حياة العاملات الفلاحيات رهينة حظ العجلات المهترئة، ولا يكون الطريق إلى الحقول معبّداً بالدموع.
تعليقات الزوار