هبة زووم – طه المنفلوطي
حين انطلقت تجربة الشركات الجهوية المتعددة الخدمات، تم تقديمها كأفق جديد للتحديث والنجاعة والعدالة المجالية، بديلاً عن إرث الوكالات المستقلة الذي وُصف كثيرًا بالبيروقراطية والجمود. لكن الواقع الميداني في جهة مراكش آسفي يُظهر عكس ذلك تمامًا. إذ تحوّلت هذه الشركة، في ظرف وجيز، إلى عنوان للارتباك، وسوء التواصل، بل والفشل الذريع في تدبير أحد أكثر القطاعات حساسية: الماء والكهرباء.
فمن آسفي إلى قلعة السراغنة، ومن شيشاوة إلى الرحامنة، تتواتر قصص الانقطاعات، وتتوالى صرخات الساكنة، بينما تتوارى الشركة خلف صمت ثقيل لا يعكس إلا غياب الحس المؤسساتي والمسؤولية الاجتماعية.
وفي تطور لافت، استدعى السيد سمير اليزيدي، عامل إقليم قلعة السراغنة، صباح اليوم الخميس 19 يونيو، المدير الإقليمي للشركة، على خلفية تسجيل انقطاعات متكررة للماء الشروب بعدد من أحياء المدينة، ما أثار قلقًا واسعًا في صفوف الساكنة ودفع إلى احتجاجات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب معطيات حصلت عليها هبة زووم، فإن عامل الإقليم وجّه استفسارات صارمة للمدير الإقليمي حول أسباب هذه الاضطرابات المتكررة، مطالبًا بإيجاد حلول فورية وفعالة، مع الالتزام بعدم تكرار مثل هذه الانقطاعات التي تمس الاستقرار الاجتماعي، وتهدد السلامة الصحية للسكان في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وتأتي هذه التطورات بعد أقل من أسبوعين على الأزمة الكبرى التي عرفتها مدينة آسفي، حيث عاشت أحياء بكاملها انقطاعًا دام أكثر من 14 يومًا دون تدخل فعّال من طرف الشركة المعنية، لولا دخول عامل الإقليم الحسين فطاح على الخط، في تدخل اعتبره العديدون سببًا في تفادي انفجار الوضع.
ومن مظاهر الفشل الصارخة، ما تتحدث عنه مصادر محلية بمرارة: ميل واضح لتفضيل مدينة مراكش على باقي أقاليم الجهة، فبينما تحظى العاصمة السياحية بتمويل منتظم، واستثمارات مركزة، وبنية تحتية مؤمنة، تُترك مدن أخرى كآسفي والسراغنة واليوسفية تواجه مصيرها لوحدها، ولو تطلب الأمر تركها في العطش أو العتمة.
هذا الانحياز الجهوي، الذي يُقال إنه يغذيه نفوذ سياسي واضح من داخل حزب الأصالة والمعاصرة المسيطر على الشركة، يقوّض فلسفة الجهوية المتقدمة، ويمس بمصداقية المشروع التنموي برمّته، ويجعل من الشركة أداة لإعادة إنتاج التفاوتات بدل تقليصها.
الأخطر من كل ذلك أن الشركة، وفي عز الأزمات، لا تصدر توضيحات، ولا تبرّر تقصيرها، ولا تتواصل مع المواطنين، وكأن الأمر لا يعنيها.
صمتها المُريب لا يمكن تفسيره إلا بغياب ثقافة الحكامة، وغياب الكفاءة، وغياب الشعور بالمسؤولية أمام مواطنين يُفترض أنهم دافعو ضرائب وشركاء في التنمية، لا مجرد أرقام في فواتير.
هذا النوع من السلوك الإداري لا يسيء فقط لصورة الشركة، بل يضر بثقة المواطن في المؤسسات، ويُشعره بأنه لا صوت له ولا حق له في التفسير أو المحاسبة، وهو ما يُمهّد لانفجارات اجتماعية لا أحد يمكنه التنبؤ بتداعياتها.
أمام هذا الفشل المتراكم، تتعالى الأصوات المطالبة بإقالة المدير العام للشركة، وفتح تحقيق نزيه حول طريقة توزيع الموارد، وتفويت الصفقات، وتحديد المسؤوليات بدقة.
فليس مقبولاً أن تُدار شركة بهذا الحجم بعقلية الانغلاق، والمحسوبية، والتسيير الفوقي، وكأنها ضيعة حزبية، لا مؤسسة عمومية مناط بها ضمان الحق في الماء والكهرباء.
إن ما يجري في جهة مراكش آسفي يجب أن يكون جرس إنذار للحكومة، ودرسًا لكل من يُراهن على الجهوية دون محاسبة. فحين تغيب الكفاءة، وتسود الولاءات، لا يبقى من الحداثة إلا الاسم، ومن الجهوية إلا الشعار.
تعليقات الزوار