هبة زووم – أكادير
من منصة أكادير، وفي مشهد أقرب إلى التمارين الدعائية منه إلى اللقاءات السياسية الحقيقية، خاطب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وزعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، أنصاره بدعوة إلى “الصبر” و”عدم الالتفات للتشويش”، في محاولة منه لتزيين صورة أداء حكومي تتآكل تحت وطأة الواقع اليومي للمغاربة.
في كلمته، لم يتحدث أخنوش عن الأرقام التي لا تُكذّب، ولا عن مؤشرات التنمية التي لا ترتفع، بل اختار أن يُسجّل حضوره الخطابي بلغة التطمين المكرر، والوعود المؤجلة، والدعوة إلى التحمل، وكأن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد مجرد مطب عابر في مسار طويل من “الإنجازات” التي لا يرى المواطن منها شيئًا.
لكن الواقع لا يرحم. فأن يُطلب من المواطن أن يصبر، فذلك يقتضي أولًا أن يرى ما يستحق أن يصبر من أجله. ما يعيشه المغاربة اليوم ليس مجرد إحساس مؤقت بالضيق، بل هو أزمة هيكلية تطال القدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والشغل، والحماية الاجتماعية. هي أزمة تعيد طرح السؤال الجوهري: ما جدوى الشعارات إذا لم تنعكس على معيش الناس؟
أخنوش لم يواجه النقد، بل تفادى حتى الاعتراف به، واختار أن يُحمّله لما سماه “محاولات التشويش”، وهي نفس العبارة التي أصبحت ملاذًا لغالبية المسؤولين في لحظات العجز، حيث تُصوّر كل انتقادات الشارع، وكل مطالب المعارضة، وحتى أسئلة الصحافة، كأنها أصوات خارج السياق، تحاول عرقلة مسار خرافي لا يراه إلا القائلون به.
لكن من يُشوش على من؟ هل المواطن الذي يئن تحت الغلاء؟ هل الطالب الذي يدرس في قسم مكتظ بلا أستاذ؟ هل الفلاح الذي لا يجد الماء ولا الدعم؟ هل الشاب العاطل؟ هل الموظف الذي تآكل أجره أمام التضخم؟
الحقيقة أن ما يسميه رئيس الحكومة “تشويشًا”، هو المعيش اليومي للملايين، وإذا كان ثمة من يُشوش على الحكومة، فهي قراراتها غير المفهومة، وسياستها الصماء، وانفصالها عن أولويات الناس.
ما يزيد من مفارقة الخطاب السياسي لأخنوش هو محاولته تقديم حكومته كصاحبة “مسار إنجازات”. لكن الواقع يفرض معايير أكثر قسوة من اليافطات الحزبية.
ففي ثلاث سنوات من عمر الحكومة، لم تنجح في التخفيف من أزمة الغلاء، ولم تنقذ المدرسة العمومية، ولم تحسم في ملف إصلاح الصحة، ولم تنهك البطالة، ولم تحقق الحد الأدنى من الثقة الشعبية.
بل إن الطبقة الوسطى، التي طالما تغنت بها الشعارات، أصبحت اليوم في مهب الفقر، والهوة الاجتماعية تزداد عمقًا واتساعًا.
الحكومة، عوض مراجعة السياسات العمومية، اختارت لعب دور الضحية، تدافع عن نفسها من على المنصات، وتُدغدغ أنصارها بخطاب المواجهة مع “خصوم سياسيين”، لكنها لا تُنصت للشارع، ولا ترد على الواقع، ولا تقدّم ما يُقنع حتى حلفاءها.
الذين يطلبون من الناس الصبر، عليهم أولًا أن يتوقفوا عن استصغار آلامهم، وتجميل فشلهم، وتقديم العجز على أنه مؤامرة خارجية، فالمغاربة لا يطلبون المعجزات، بل فقط حكومة تعي أن الحكم مسؤولية لا حملة علاقات عامة.
وإذا كانت الحكومة تعيش فعلاً “مسار إنجازات”، فلتدافع عنه بالأرقام، لا بالشعارات، وبالنتائج، لا بالخطابات، أما المواطن، فقد صبر كثيرًا، ولم يعد يحتمل أن يُطلب منه الصبر أكثر على وهم لا يُترجم إلا في أعمدة الإشهار السياسي.
تعليقات الزوار