هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مدينة فاس، حيث التاريخ عميقٌ والمكانة رفيعة، تنحني السياسة أمام مشهد عبثي لا يليق بمقامها ولا بتطلعات سكانها. هنا، تحوّلت الساحة السياسية إلى مرآة مشوّهة تُظهر وجوهًا تعرف كل شيء عن التموقع وتجهل كل شيء عن المبادئ.
فكم من سياسي صرخ يومًا في وجه “الفساد” ثم صار أحد أركانه؟ وكم من معارض ادّعى الدفاع عن المصلحة العامة فإذا به أول المهرولين عند إعلان التحالفات وتقسيم الغنائم؟
ما يحدث في جماعة فاس اليوم ليس مجرد إخفاق إداري، بل سقوط أخلاقي لمنظومة سياسية كاملة فتحت الباب أمام الطارئين وأقصت أصحاب الرؤية والموقف.
الذاكرة السياسية قصيرة، لأن المناصب تمزقها بسرعة، مناضلون في الأمس، صاروا اليوم مدافعين شرسين عن الريع؛ صقور المعارضة تحوّلوا إلى طيور زينة في حضن السلطة.
لكن المشكلة لا تقف عند تبدّل المواقع؛ إنها أعمق من ذلك، إنها أزمة ثقة وانهيار قيم داخل المجالس المنتخبة، بدءًا من مكتب جماعة فاس، حيث يسود التوتر، وتطفو الشخصنة، ويغيب الانسجام، وتنخفض منسوبية المسؤولية.
رئيس الجماعة يبدو منفصلاً عن محيطه، وغارقًا في “أنا المركز”، فيما يركن عدد من أعضاء المجلس إلى صمت مريب لا يخلو من حسابات شخصية.
في ظل هذا الوضع المختل، تبقى التنمية رهينة التجاذبات، ومصالح الفاسيين مرهونة بعناد سياسي وصراعات أنانية، فلا مشاريع تُنفذ كما يجب، ولا رؤية تُبنى بشكل جماعي، ولا همٌّ مشترك يوحّد الجهود، المواطن الفاسي لم يعد ينتظر تغييرًا، بل بات يبحث عن الحد الأدنى من الخدمات، وعن من يصغي لهمومه.
في المقابل، تجد النخب المتصدرة للمشهد تتغنى بشعارات الوطنية والغيرة على المدينة، لكنها تُمارس التضليل أكثر مما تناضل، وتُتاجر بمعاناة الساكنة بدل أن تحلها.
ما يُقال في الكواليس عن “الفهلوة السياسية” ليس من قبيل المبالغة أو الاستفزاز؛ بل هو توصيف دقيق لما يجري من مساومات وتحالفات مصلحية، هدفها الوحيد هو الظفر بمنصب أو نفوذ أو امتياز جديد.
الخطير في الأمر أن بعض هذه النخب فشلت حتى في الحد الأدنى من التسيير، ومع ذلك ما زالت تُجيد فن التبرير والمناورة.
جماعة فاس لم تعد مؤسسة لخدمة الشأن العام، بل حلبة صراع وتصفية حسابات، الكل يتحدث عن التنمية، لكن لا أحد يملك مشروعًا حقيقيًا أو إرادة صادقة لتحريك عجلة الإصلاح.
وما نراه اليوم هو نموذج صارخ للفشل السياسي المغلف ببلاغة فارغة، تعويضات تُصرف بسخاء، امتيازات تُوزّع بسرية، بينما لا شيء يتحقق على الأرض. والمحصلة: جماعة عاجزة، مدينة تائهة، ومواطن ينتظر بصبر مؤلم فرجًا لا يأتي.
تعليقات الزوار