عبد الحفيظ اليونسي: الحكم على المهداوي كشف عطبًا بنيويًا في توازن السلط ويهدد حرية التعبير

هبة زووم – الرباط
في خطوة وُصفت بالانتكاسة الحقوقية الخطيرة، أيدت محكمة الاستئناف بالرباط، صباح اليوم الإثنين، الحكم الابتدائي الصادر في حق الصحافي حميد المهداوي، مدير نشر موقع “بديل”، والقاضي بسجنه سنة ونصف حبسا نافذا مع تغريمه 150 مليون سنتيم لفائدة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في قضية أثارت منذ بدايتها جدلاً واسعًا حول حدود حرية التعبير وحدود الممارسة الصحفية في البلاد.
الحكم، الذي اعتبره عدد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين والمهنيين صادماً، فتح الباب مجدداً على مصراعيه أمام أسئلة عميقة حول استقلالية القضاء وواقع حرية الصحافة في المغرب، خاصة وأن العقوبة الثقيلة جاءت على خلفية شكاية وضعها وزير العدل نفسه، ضد المهداوي، متهماً إياه بالتشهير والسب العلني عبر وسائط رقمية.
وفي هذا السياق، عبّر الأستاذ الجامعي والباحث في العلوم السياسية، عبد الحفيظ اليونسي، عن امتعاضه من الحكم الصادر، مؤكداً في تدوينة على صفحته بموقع “فايسبوك” أن “قرار محكمة الاستئناف ليس عنوانًا للحقيقة، بل هو عنوان لحقيقة واحدة، وهي أن هناك عطبًا بنيويًا يضرب مبدأ الفصل بين السلط وتوازنها، حيث يبدو أن البلاد لم تُبق سوى على “تعاونها”!”.
وانتقد اليونسي ما سماه بـ”النفاق المؤسساتي” في التعاطي مع قرارات القضاء، مشيراً إلى أن الانتظار السلبي لقرار محكمة النقض لا يعفي من قول الحقيقة، مضيفًا أن مثل هذه الأحكام تشكّل مؤشرات على تراجع خطير في مجال الحريات العامة، وتحوّلاً في وظيفة القضاء من الحماية إلى الردع.
كما تساءل الباحث الجامعي عن ثقل الغرامة المالية المفروضة على الصحافي المهني، مشيرًا إلى أنها “غير مسبوقة في قضايا مماثلة، بل حتى في ملفات أكثر خطورة ومرتبطة بشخصيات نافذة، لم يُنطق بمثلها”، ما يجعله يرى فيها رسالة تخويف صريحة وابتزازًا مقنعًا باستعمال مؤسسات الدولة.
ولم يتوقف تحليل اليونسي عند قرار المحكمة فقط، بل فتح النقاش على قضايا أوسع تتعلق ببنية الدولة، متسائلاً عن مصير التنظيم الذاتي للصحافة، الذي قال إنه “يُدار خارج المؤسسات، بشكل يُفقد الثقة في مصداقية الهيئات المشرفة على القطاع”، كما طرح إشكالية تأخر القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين، معتبراً ذلك نزوعًا تشريعيًا سلطويًا “يحرم المتقاضين من ضمانات دستورية أساسية”.
من جانبه، شدد المهداوي في مراحل محاكمته على أنه لم يخرج عن إطار مهنته، مؤكدًا أن ما صرّح به يدخل في صلب مهام الصحافة الاستقصائية والنقدية، وأن محاكمته تشكّل امتدادًا لسلسلة التضييق على الأصوات الحرة في البلاد.
كما يرى متتبعون أن الغرامة المفروضة قد يكون الهدف منها تركيع المهداوي اقتصاديًا، وتجفيف موارده الإعلامية، والضغط عليه لتغيير خطه التحريري، خصوصًا وأنه معروف بخطابه النقدي تجاه رموز السلطة، ويشكّل أحد الأصوات المزعجة في المشهد الصحافي الوطني.
قضية المهداوي لا تمثّل حالة معزولة، بل تأتي في سياق تزايد المتابعات القضائية ضد صحافيين ونشطاء ومدونين، ما دفع العديد من الهيئات الحقوقية إلى دق ناقوس الخطر بشأن التراجع الملموس في منسوب حرية التعبير، وتغوّل المقاربة الأمنية والقضائية في معالجة قضايا الصحافة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الذي طرحه الأستاذ اليونسي قائماً بقوة: هل نحن أمام قرار قضائي أم أمام رسالة سياسية تُمرّر باسم القضاء وحتى تُجيب المؤسسات الوطنية عن هذا السؤال، سيظل الصحافي المهداوي رمزًا لمواجهة غير متكافئة بين سلطة القلم وسطوة النفوذ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد