هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مشهد يبعث على القلق أكثر مما يدعو إلى الاستغراب، تعيش مدينة قلعة السراغنة على وقع انحراف خطير في وظيفة بعض المنابر الإعلامية المحلية، التي اختارت أن تُجنّد أقلامها لا لخدمة الحقيقة أو الدفاع عن انشغالات المواطنين، بل لتلميع صورة عامل الإقليم سمير اليزيدي، في ما يشبه حفلات العلاقات العامة التي لا تنتهي.
لم تعد هذه المواقع والصفحات تكتفي بتمرير البلاغات الرسمية والصور المنتقاة بعناية، بل تحوّلت إلى ما يمكن تسميته مجازًا بـ”منصات النكافة”، تقتات على مديح المسؤول وتستثمر في صمت المواطنين.
فبينما تعاني المدينة من مشاكل حقيقية في البنية التحتية، وأزمات متكررة في انقطاع الماء، واحتجاجات صامتة للمهاجرين والساكنة على حد سواء، يغيب هذا كله عن محتوى تلك المنابر، وكأن قلعة السراغنة تعيش في كوكب آخر.
المثير أن كل ما يُنشر في هذه المنصات لا يخرج عن إطار التهاني، والاستقبالات البروتوكولية، والبلاغات التي تُحذف منها كل الإشارات المزعجة. لا أثر لمعاناة المواطنين، ولا لتقارير المجالس، ولا للزيادات في فواتير الماء، ولا للمشاريع المتعثرة، وكأن الإعلام قرر أن يكون تابعًا لا مستقلا، ومروّجًا لا رقيبًا.
في ظل هذا الوضع، تطرح شريحة من الصحفيين الغيورين سؤالًا وجوديًا: هل تستحق قلعة السراغنة هذا النوع من الإعلام الذي يتلقى الإشارة من “المكتب” ويكتفي بتسويق صورة العامل كما يريدها هو لا كما يراها الواقع؟ وهل صار من المقبول أن يتم إقصاء الأقلام المهنية مقابل تعويم الرداءة وتكريس منطق “التنكيف السياسي”؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تؤكد أن بعض المسؤولين بالإقليم – ومنهم عامل الإقليم – وجدوا ضالتهم في عدد من “أشباه الإعلاميين”، ممن قرروا استبدال وظيفة الرقابة والنقد، بمهنة التطبيل والتزمير، مقابل الامتيازات أو حظوة دعوة في نشاط رسمي.
الواقع الحالي يُؤشر على زواج غير شرعي بين الإعلام والتفاهة، وهو زواج سيتحول – إن لم يتم وقفه – إلى منظومة تهيمن على المشهد الإعلامي بالإقليم، وتخلق واقعًا مزيفًا لا علاقة له بمطالب المواطنين ولا بتطلعات الصحفيين النزهاء.
والخطير في الأمر، أن هذه الرداءة أصبحت توظَّف لتشويه الصحفيين الحقيقيين وشيطنتهم، وإقصائهم من المشهد، بل واتهامهم بعدم الوطنية أو بأنهم ضد التنمية، لمجرد أنهم يرفضون الانخراط في جوقة التصفيق.
اليوم، لم تعد الإشكالية تتعلق فقط بغياب التغطية المهنية، بل بتواطؤ صريح بين أطراف داخل الإدارة الترابية وبعض الصفحات الإعلامية، لتوجيه الرأي العام نحو صورة وردية لا وجود لها.
وهو ما يستدعي تدخل الجهات الوصية، من المجلس الوطني للصحافة، إلى وزارة الداخلية، من أجل وقف هذا العبث، وإعادة الاعتبار لمهنة الصحافة بالإقليم.
قد نمتنع في هذا المقال عن تسمية من قرروا خيانة المهنة والانخراط في لعبة التطبيل، احترامًا لأخلاقيات المهنة. لكننا نترك الحكم للساكنة، لتُقرر أي نوع من الإعلام تستحق: إعلام ينقل الحقيقة ويضغط من أجل المصلحة العامة، أم إعلام يُصفق حتى للعتمة؟
قلعة السراغنة تستحق الأفضل، وتستحق صحافة حرة ونزيهة… لا “نكافة إعلامية” تُرقّص الكلمات لتُرضي المسؤولين.
تعليقات الزوار