الرباط: أساتذة كلية الحقوق أكدال يرفضون “التحكّم” في تعيين العميد ويطالبون بالشفافية

هبة زووم – الرباط
دخلت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال – الرباط، واحدة من أعرق المؤسسات الجامعية بالمغرب، في حالة غليان غير مسبوقة، بعد أن عبّر أساتذتها، في بيان صادر عن جمعهم العام الاستثنائي المنعقد يوم الجمعة 11 يوليوز 2025، عن قلقهم العميق إزاء ما وصفوه بـ”محاولات التعيين غير الشفافة” في منصب العمادة.
البيان الذي جاء بلغة صريحة وواضحة، وجّه انتقادات لاذعة لمسار تعيين العميد المرتقب، محذراً من محاولات “التحكّم” في نتائج المباراة المرتبطة بهذا المنصب الحساس، عبر ما اعتبره الأساتذة انحرافًا عن الأعراف الجامعية، وتوجّهًا نحو تعيين “مُفضَّل” من خارج الكلية، بإيعاز من نائب رئيس الجامعة، وفق ما تداولته منابر إعلامية لم تُكذّبها الجهات الرسمية حتى الآن.
في صلب البيان، عبّر أساتذة الكلية عن تشبثهم بما وصفوه بـ”الأعراف الجامعية المستقرة”، والتي كرّست، بحسبهم، ضرورة أن يكون عميد الكلية من بين طاقمها البيداغوجي، ممن راكموا تجربة داخلية واطلاعًا دقيقًا على تحديات المؤسسة وخصوصياتها، وهو موقف لا يخلو من رمزية، إذ يعكس حرص هيئة التدريس على صون استقلالية الجامعة، ورفض أي محاولة لـ”الإنزال الإداري” أو “التعيين على المقاس”.
وفي هذا السياق، طالب الأساتذة الوزارة الوصية بضمان شفافية العملية واحترام مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن منطق المحاباة أو الولاءات الشخصية، تماشياً مع المبادئ الدستورية المؤطرة للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أخطر ما ورد في البيان، يتمثل في إبداء الأساتذة “الاشمئزاز والاستهجان الشديدين” مما نُشر في بعض المنابر الإعلامية حول تشكيل لجنة “مُفصلة على المقاس” من طرف نائب رئيس الجامعة، بغرض ترجيح كفة مرشح من خارج الكلية. فرغم أن هذا المعطى لم يتم تأكيده من طرف الإدارة، فإن تداول مثل هذه الأخبار خارج القنوات الرسمية، حسب البيان، خلق مناخاً من اللبس والريبة، قد يُقوّض شفافية المباراة، ويُهدد انتظام المسار المؤسساتي للكلية.
ولعلّ أبرز ما يزيد من خطورة الموقف، أن هذا التوجّس لا يأتي من أطراف خارجية، بل من داخل الجسم الأكاديمي نفسه، بما يعكس حجم انعدام الثقة في الطريقة التي يتم بها تدبير مرحلة اختيار العميد الجديد.
هذا التصعيد غير المسبوق يضع كلية أكدال في مفترق طرق: إما العودة إلى منهجية شفافة قائمة على المنافسة النزيهة، أو الدخول في نفق التوترات والتجاذبات التي قد تمسّ استقرار المؤسسة، وتُضعف أداءها التربوي والبحثي. ويؤكد العديد من المراقبين أن احترام الأعراف داخل الجامعات لا يعني الجمود، لكنه في الوقت ذاته يشكل صمام أمان لتفادي التعيينات الاعتباطية أو المسيسة.
ففي وقت يعوّل فيه المغرب على الجامعة كقاطرة للإصلاح والتحديث، فإن ضرب مبدأ الاستقلالية والحياد داخل المؤسسات الجامعية، من شأنه أن يُفرغ كل شعارات الإصلاح من مضمونها، ويحوّل الجامعات إلى فضاءات مغلقة تخضع لمنطق التعيين الفوقي بدل التنافس الأكاديمي.
دعوة الأساتذة، في ختام بيانهم، إلى التدخل العاجل لإلغاء اللجنة المشتبه في تشكيلها، وتصحيح المسار، ليست مجرد خطوة دفاعية، بل تمثل إنذارًا مبكرًا للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل المؤسسة، وضمان عدالة المساطر، بعيداً عن أي توجيه مبيت.
وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أي توضيح رسمي من رئاسة الجامعة أو الوزارة المعنية بخصوص ما جاء في البيان، يبقى السؤال الأساسي مطروحًا: هل يُستجاب لنداء الأساتذة وتُصحح الانحرافات، أم يُترك الحبل على الغارب لتُعمّق “أزمة الثقة” داخل الفضاء الجامعي؟
ما جرى في أكدال ليس معزولًا، بل قد يكون نموذجًا مصغرًا لما يحدث في كليات أخرى، ويضعنا جميعًا أمام سؤال جوهري: من يحمي الجامعة من “الاختراق الإداري” حين تغيب الشفافية ويُهمَّش صوت الكفاءة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد