هبة زووم – محمد خطاري
أعلنت وزارة السياحة إدخال تحسينات على برنامج “غاو سياحة”، من بينها رفع شرط الحد الأدنى للاستثمار وتوسيع قاعدة المستفيدين من الدعم المالي والتقني. ورغم الترحيب الظاهري بهذه الخطوة، فإن قراءة نقدية لما بين السطور تكشف عن مفارقات تُثير القلق أكثر مما تبعث على الارتياح.
أولاً، إذا كان البرنامج قد دعم 1000 مشروع منذ انطلاقه، فإن هذا الرقم يبدو محدودًا بالنظر إلى الطموح المُعلن بتحقيق 1700 مشروع في أفق 2026، مما يعني أن حوالي نصف المدة مرت ولم يُنجز سوى 58% من الهدف. ما الذي يبرر هذا البطء؟ وأين يتمركز هذا الدعم جغرافيا؟ وهل فعلاً وصل إلى الجهات المهمشة والمناطق الجبلية، أم أنه أعاد إنتاج نفس المركزية التي وسمت السياسات العمومية لعقود؟
ثانيًا، إلغاء شرط الحد الأدنى للاستثمار يبدو في الظاهر خطوة تحفيزية، لكنه يُخفي حقيقة أن عددا كبيرا من حاملي المشاريع الصغرى لم يستطيعوا أصلاً الولوج للبرنامج بسبب التعقيد الإداري وثقل المساطر البيروقراطية، وليس فقط بسبب سقف التمويل، فالدعم الحقيقي لا يقتصر على فتح الباب، بل في إزالة العقبات قبل عتبة الدخول.
ثالثًا، فتح المجال أمام المقاولات السياحية القائمة للاستفادة من البرنامج يطرح بدوره إشكالا يتعلّق بـ”العدالة المقاولاتية”، فكيف يمكن لمقاولات صغيرة أو تعاونيات ناشئة أن تُنافس مقاولات راسخة تمتلك الخبرة والعلاقات ورأس المال؟ وهل تملك الإدارة آليات لضمان عدم استئثار الفاعلين الكبار بالدعم الموجه نظريًا لصغار المستثمرين؟
رابعًا، في الحديث عن التكوين والدعم التقني، يُطرح سؤال جوهري: ما مدى فعالية هذه المواكبة في الواقع؟ وهل تكفي دورات تدريبية أو مواكبة أولية لتأهيل شباب قروي أو حضري لخوض غمار السياحة الترفيهية في ظل غياب بنى تحتية، وسائل نقل، أو رؤية ترابية متكاملة؟
خامسًا، يتم تقديم البرنامج كرافعة لتنمية السياحة البديلة والمجالية، غير أن خارطة الطريق 2023-2026 التي يستند إليها البرنامج، ما تزال ضبابية في تفاصيلها المالية، ولا تعكس التوازن المجالي المنشود. فرغم الحديث عن دعم التعاونيات ومراكز الترفيه، لا وجود لضمانات حقيقية لمواكبتها في مراحل ما بعد التمويل.
إذا كانت الحكومة جادة في تحفيز الاستثمار السياحي المحلي، فإن الحل لا يكمن في تنقيح شروط الاستفادة فحسب، بل في تبني سياسة عمومية متكاملة تجعل من “غاو سياحة” رافعة فعلية للتنمية المجالية، لا مجرد لافتة تسويقية لتصريف السياسات.
المطلوب اليوم، ليس فقط تسهيل الولوج فقط، بل ضمان النجاح، وتتبع الأثر، ومحاسبة النتائج. غير ذلك، سنظل نعيد إنتاج نفس النموذج الذي يُغري بالأمل، لكنه لا يُنتج تغييرًا حقيقيا على الأرض.
تعليقات الزوار