هبة زووم – الرباط
في مشهد يعيد إلى الأذهان مجازر الطحين وقوافل الموت، عاشت مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، الأربعاء 16 يوليوز 2025، يوماً دموياً بامتياز، راح ضحيته ما لا يقل عن 21 فلسطينيًا، بينهم 15 اختناقًا و6 برصاص حي، خلال ما سُمي زورًا بـ”حادث تدافع” بمركز توزيع مساعدات تابع لـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، المدعومة من الولايات المتحدة والجيش الإسرائيلي.
الحادث الذي وصفته المؤسسة بـ”الاندفاع الفوضوي”، وألقت باللائمة فيه على “محرضين ينتمون لحماس”، سرعان ما انكشف على أنه مصيدة بشرية نُصبت لمئات الآلاف من الفلسطينيين الجوعى، الذين استجابوا لدعوة المؤسسة للحصول على مساعدات.
بيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حمل اتهامات مباشرة وقوية، حيث قال إن “مؤسسة غزة الإنسانية”، وبتنسيق مع جيش الاحتلال، قامت بتجميع الآلاف في ممرات حديدية ضيقة مغلقة، ثم عمدت إلى إغلاق البوابات عليهم ورشهم بغاز الفلفل الحارق، تزامنًا مع إطلاق نار عشوائي من قبل عناصر أمن المؤسسة وجنود الاحتلال.
وأضاف البيان: “ما جرى هو جريمة مكتملة الأركان، تم التخطيط لها وتنفيذها بدم بارد، بهدف إذلال الفلسطينيين وقتلهم تحت غطاء إنساني كاذب”.
تصريحات متعاقدين أمريكيين نقلتها وكالة أسوشيتد برس، كشفت أن العاملين على تأمين هذه المراكز ليسوا فقط غير مؤهلين، بل هم مسلحون بأسلحة ثقيلة، ويُسمح لهم بـ”التحرك بحرية دون أي محاسبة”، فيما وصفه أحدهم بـ”ترخيص مفتوح لإطلاق النار”.
وأكد المقاولان أن زملاءهم كانوا يطلقون قنابل صوتية، رصاصًا حيًا، ورذاذ فلفل على الجوعى المنتظرين في صفوف طويلة، دون وجود ممرات إخلاء أو إشراف طبي.
وأشارا إلى أن “الموظفين الأمريكيين يوثقون من يعتبرونه مشبوهاً ويشاركون البيانات مع جيش الاحتلال”، في سلوك يجسّد تجسسًا مزدوجًا وانتهاكًا واضحًا لمبادئ العمل الإنساني المحايد.
الأرقام التي كشفتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ترسم صورة مروعة: 875 فلسطينيًا قُتلوا خلال 6 أسابيع فقط، عند مراكز توزيع مساعدات تديرها مؤسسة غزة الإنسانية، منهم 201 قتيلًا سقطوا قرب قوافل مساعدات تابعة لأمم المتحدة نفسها.
ووصفت المفوضية نموذج عمل هذه المؤسسة بأنه “غير آمن بطبيعته” وينتهك معايير الحياد، مشيرة إلى تجاوزها للنظام الإنساني الأممي، واعتمادها على شركات أمنية أمريكية خاصة، تحوّلت إلى قوة موازية تقمع وتراقب وتُطلق النار كما تشاء.
ما جرى في خانيونس ليس حادثًا عرضيًا ولا نتيجة “تدافع طبيعي”، بل مجزرة موثقة أضيفت إلى سجل طويل من الجرائم التي تُرتكب باسم “الإغاثة”، فيما تتآكل الثقة الشعبية في كل مبادرة تتضمن الشراكة الأمريكية – الإسرائيلية.
الوقائع المؤلمة تؤكد أن ما يسمى “المساعدات الإنسانية” قد تحوّل إلى أداة ابتزاز وموت، يُفرض من خلالها على السكان قبول الإذلال أو مواجهة القتل بالجملة، في وقت لا تزال فيه غزة محاصرة جواً وبراً وبحراً، بلا غذاء أو دواء أو ممرات آمنة.
الوقائع والاعترافات والمقاطع المصورة، تستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلاً عاجلاً في ما جرى، ومساءلة كل الجهات المسؤولة عن مذبحة خانيونس، بدءًا من المؤسسة الأمريكية وموظفيها المسلحين، وصولاً إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي وفّر الحماية والدعم اللوجستي الكامل لهذه الجريمة.
وفي انتظار ذلك، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: كم من الدم الفلسطيني يجب أن يُسفك بعد تحت لافتة “المساعدات”؟
تعليقات الزوار