هبة زووم – محمد خطاري
في زمن يُفترض أن يكون فيه التحول الرقمي قاطرةً لتسهيل حياة المواطن المغربي وضمان سيادة البيانات الوطنية، تقف تجربة المنخرطين مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) كنموذج صارخ لفجوة واسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
فبدل أن تكرّس المؤسسة إمكاناتها لتقريب الخدمة من المواطن، ها هي تزرع المتاريس الرقمية وتغلق المنافذ، في ما يشبه سياسة ممنهجة لـ”التمييز التقني” بين فئة المشغلين وفئة المنخرطين.
ففي الوقت الذي تُبهر فيه منصة CNSS الموجهة لأرباب العمل بسهولة واجهتها، ودقة تفاصيلها، وجمالية تقديم النسب والمؤشرات، يبدو أن التطبيق الموجه للمواطنين العاديين، خاصة “Macnss”، يتحول شيئًا فشيئًا إلى متاهة تقنية تنفر المستخدم بدلاً من أن تقربه.
السبب؟ تبنّي ما يسمى بـ”هويتي الرقمية” كشرط حصري للولوج إلى الحساب الشخصي، مع فرض تقنية الاتصال القريب NFC، التي لا تتوفر إلا في هواتف معينة، ما أقصى فعلياً شرائح واسعة من المنخرطين الذين لا يمتلكون أجهزة ذكية متقدمة.
هذا الخيار التقني، وإن بدا للوهلة الأولى مواكبًا للعصر، إلا أنه عرّى عن قصر نظر في التخطيط، وغياب تام لمبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية. فهل يُعقل أن تُربط خدمة أساسية كالتغطية الاجتماعية بمعايير تقنية تعجيزية؟
النتيجة كانت كارثية: مئات الآلاف من المواطنين تُركوا في العراء الرقمي، غير قادرين على الوصول إلى حساباتهم، في ظل صمت المؤسسة وغياب أي بديل عملي.
ومع تفاقم الوضع، لم يجد بعض المواطنين بُدًّا من اللجوء إلى تحميل نسخ قديمة من التطبيق من متاجر خارجية غير رسمية، بينها متاجر إلكترونية إسبانية. ولتكتمل المأساة، بدأ البعض يعتمد تطبيقات “الفضاء الموازي” لتجاوز القيد التقني، وهي تطبيقات تُعرف بكونها بابًا خلفيًا للقرصنة وسرقة المعطيات الشخصية.
أي أن CNSS، ومن حيث لا تدري، وضعت ملايين المواطنين في مهب التهديدات السيبرانية، دون أن تقدم أي توجيه رسمي أو تحذير واضح.
المفارقة الأدهى أن الصندوق لا يُظهر أي تعقيد حين يتعلق الأمر بالمشغلين، إذ يبدو أن كل الخدمات سلسة وفورية عندما يكون الهدف هو التحصيل المالي، ما يطرح أسئلة محرجة حول أولويات المؤسسة: هل هي مؤسسة اجتماعية لحماية حقوق المواطن، أم مجرد جهاز جباية متطور؟
في مؤسسات أخرى كـ CNOPS مثلاً، نجد تعدد الوسائط والمنصات وخيارات الولوج المرنة، ما يطرح تساؤلاً صريحاً: لماذا تصر CNSS على سياسة “المدخل الواحد”؟ ومن المستفيد من هذا الإقصاء التقني؟
المطلوب ليس أكثر من عقلنة الرقمنة، عبر توفير بدائل للأشخاص غير القادرين على استخدام التقنية المفروضة، وضمان ولوج آمن، بسيط وشامل لكل شرائح المجتمع.
إن فرض الهوية الرقمية بهذا الشكل الإلزامي ليس “تقدماً” بل تراجُعاً، لأنه يُحوّل التحول الرقمي من وسيلة للتمكين إلى أداة للإقصاء. والأسوأ أن المواطن الذي يُفترض أن يكون “شريكاً” في هذه المنظومة، يُعامل كعنصر مزعج، وكأن بياناته وحقوقه ثانوية.
لقد دقّ الخبراء ناقوس الخطر مرارًا، مؤكدين أن فرض طريقة ولوج واحدة يشكل خطراً على الأمن الرقمي الوطني، لا سيما إذا اضطر المواطن للبحث عن حلول خارج المنظومة الرسمية، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً من السلطات الوصية، ليس فقط لتصحيح المسار، بل لاستعادة ثقة المواطن في مؤسساته.
إن المطلوب من CNSS اليوم ليس شعارًا جديدًا ولا حملة ترويجية، بل قرار شجاع يُعيد الاعتبار للمستخدم العادي، ويضع أمنه الرقمي وكرامته في صلب العملية التحديثية.
فالتكنولوجيا بلا إنصاف، مجرد عبء، والتحول الرقمي بدون عدالة رقمية، ليس سوى واجهة براقة لإقصاء صامت.
تعليقات الزوار