الحكومة تُعيد الساعة الإضافية وترمي 140 ألف توقيع في سلة المهملات وتُعلن الحرب على الساعة البيولوجية للمواطنين
هبة زووم – الرباط
في مشهد يُعيد تعريف اللامبالاة المؤسسية بأقسى معانيها، قررت حكومة أخنوش تحريك عقارب الساعة إلى الأمام، مُقفزة إياها من 01:59 إلى 03:00 في صبيحة الأحد 22 مارس، مُتجاهلة بصمت مُريب أكثر من 140 ألف توقيع على عريضة “نريد العودة إلى التوقيت الطبيعي”.
قرار لا يُعتبر مجرد إجراء تقني روتيني، بل هو إعلان حرب صامت على الصحة العامة، وعلى الإرادة الشعبية، وعلى أبسط مبادئ الديمقراطية التشاركية التي يُفترض أن تُكرسها الدولة.
فبينما يُعاني المواطنون من اضطرابات متواصلة في ساعتهم البيولوجية، وتتناسل الدراسات العلمية التي تُحذر من تأثير التغيير المفاجئ للتوقيت على الصحة النفسية والجسدية، تختار الحكومة المواءمة مع أوروبا على حماية مواطنيها، في خيار يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إلى متى ستستمر الحكومة في التضحية بصحة ملايين المواطنين على مذبح اعتبارات دبلوماسية مشكوك في نجاعتها؟ وأي تنمية هذه التي تُقدم التزامن التجاري على الاستقرار البيولوجي للأسر المغربية؟
هذا، وجاء في العريضة التي أطلقها نشطاء على منصة “تشينج” أن الساعة الإضافية تعني بالنسبة لكثير من المواطنين تحولاً مفاجئاً في التوقيت، ما يسبب لهم اضطرابات متواصلة في الساعة البيولوجية، ويؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي والدراسي والمهني، وكذلك الصحة النفسية والجسدية.
هذا التحذير المواطني ليس مجرد شكوى عابرة، بل هو صدى لدراسات علمية عالمية تُثبت أن تغيير التوقيت بشكل مفاجئ يُسبب اضطرابات مزمنة في النوم تُهدد الجهاز المناعي، تراجعاً خطيراً في التركيز والقدرة على الاستيعاب، خاصة لدى طلابنا وتلامذتنا، ارتفاعاً ملموساً في حالات التوتر والقلق والاكتئاب الموسمي، وتأثيراً سلبياً مُباشراً على صحة القلب والأوعية الدموية.
فكيف يمكن لمسؤولين في وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن يُبرروا سياسة تُهدد الصحة العامة لمجرد مواءمة توقيت تجاري مع دول أوروبية؟ وأي رؤية استراتيجية هذه التي تُضحي بصحة المواطنين من أجل تزامن اقتصادي لم تُثبت الدراسات نجاعته على الاقتصاد المغربي؟
ورداً على إعادة اعتماد الساعة الإضافية، أطلق نشطاء عريضة إلكترونية يطالبون عبرها الحكومة بالتراجع عن الساعة الإضافية غير القانونية، معتبرين أنها تشكل تحدياً يومياً للمواطنين وتؤثر سلباً على حياتهم اليومية.
لكن بدلاً من الاستماع، جاء التجاهل، وبدلاً من الحوار، جاء القرار الأحادي، هذا الرفض المؤسسي يطرح أسئلة مُحرجة لا مفر منها: لماذا لا تُعلن الحكومة عن معايير اتخاذ القرار في ملف التوقيت، ولماذا لا تُبرر اختيارها أمام الرأي العام الذي دفع 140 ألف توقيع؟ وأين هي آليات الاستشارة الشعبية التي يُفترض أن تُراعي صوت عشرات الآلاف من المواطنين قبل اتخاذ أي قرار يؤثر على حياتهم اليومية؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المواطن والدولة بينما تُترك العرائض الموقعة دون أي اعتبار، وتُحول المشاركة المواطنية إلى شكليات إلكترونية بلا مفعول؟
فتحويل المشاركة المواطنية من حق دستوري إلى ديكور رقمي لا يُهدر فقط فرص الحوار، بل يُرسّخ ثقافة القرار من فوق التي تُغفل صوت المستفيدين الأوليين من السياسات العمومية: المواطنون أنفسهم.
وأضاف أصحاب المبادرة الموجهة إلى الحكومة أن الحاجة إلى استعادة ضبط الساعة مع توقيت غرينيتش، لا ترتبط فقط برغبة فردية، بل بضرورة حيوية لنمط حياة متزن ومستقر للأسر والمجتمع، بما يعود بالفائدة على الجميع.
هذا النداء العقلاني يطرح سؤالاً وجودياً لا مفر منه: لماذا لا يُنظم استفتاء شعبي أو مشاورات واسعة حول سياسة التوقيت قبل اتخاذ أي قرار دائم؟ وأي ديمقراطية تشاركية هذه التي تُغفل رأي 140 ألف مواطن وقعوا على عريضة واحدة، بينما تُسرع في تنفيذ قرار لم يُستشر فيه أحد؟
وأمام تصاعد وتيرة المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية، تجد حكومة أخنوش نفسها في موقف حرج: بين ضغوط مواءمة التوقيت مع الشركاء الأوروبيين، ومطالب المواطنين الصحية والاجتماعية الملحة.
فإما أن تختار الاستجابة لصوت مواطنيها وتُعيد التوقيت الطبيعي كخطوة شجاعة تعكس أولوية الصحة العامة، وإما أن تستمر في سياسة المواءمة التي قد تُكلف البلاد غالياً على مستوى الصحة والإنتاجية والتماسك الاجتماعي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: هل أصبحت المصالح الخارجية أهم من صحة المواطنين؟ وأي سيادة هذه التي تسمح لضغوط أوروبية بأن تُحدد إيقاع حياة ملايين المغاربة؟
فلم يعد مقبولاً أن تُترك قضية التوقيت رهينة الاجتهادات البيروقراطية والصمت السياسي، فما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الصحي والاجتماعي اليوم هو فتح حوار وطني جاد وفوري حول سياسة التوقيت، بمشاركة خبراء في الصحة والتعليم والاقتصاد والمجتمع المدني، وليس فقط تقنيين في وزارات، مع إجراء دراسات علمية مستقلة وشفافة لقياس الأثر الحقيقي للساعة الإضافية على الصحة العامة والإنتاجية والسلامة الطرقية، ونشر النتائج للرأي العام.
فما يعيشه المغرب مع جدل الساعة الإضافية ليس جدلا تقنياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحكامة الصحية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية الخنوع الخارجي لخدمة المصلحة العامة الداخلية.