المغرب يراجع أسعار الأدوية ويؤسس لسيادة صحية وطنية

هبة زووم – الرباط
في خطوة وُصفت بالمفصلية ضمن مسار إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، أعلن وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، عن التوصل إلى صيغة توافقية جديدة لمرسوم تسعير الأدوية، من شأنها أن تفضي، بعد المصادقة، إلى خفض ملموس في أسعار عدد من الأدوية الحيوية، مع الحفاظ على التوازن بين حماية المستهلك وتحفيز الصناعة المحلية.
الوزير، الذي كان يتحدث يوم الإثنين 21 يوليوز 2025، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، أبرز أن هذا الإصلاح يأتي في إطار سياسة دوائية وطنية جديدة، تُعيد ترتيب أولويات القطاع بما يضمن العدالة في الولوج إلى العلاج والدواء، ويحارب التفاوتات الجغرافية والطبقية في سوق الأدوية.
الصيغة الجديدة، بحسب الوزير، تقوم على مقاربة تدريجية ومرنة، تشمل تقليص آجال مراجعة الأسعار، والحفاظ على الأدوية المنخفضة الثمن، مع اعتماد نظام يراعي تطور الأسعار دولياً، ويشجع في الوقت ذاته على التصنيع المحلي، بهدف تأمين وفرة مستدامة في السوق وتوفير العلاج بأسعار منصفة لجميع المواطنين.
المرسوم، الذي بلغ مراحله النهائية، يُرتقب أن يُعرض قريباً على المجلس الحكومي للمصادقة، بعد مسار تفاوضي موسّع شمل أكثر من 30 لقاءً مع الفاعلين في القطاع، من مهنيين وصناديق تأمين وفيدراليات صناعية.
وفي سياق الإصلاح الشامل، أشار الوزير إلى الدور المحوري الذي ستضطلع به الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، المُحدثة بموجب القانون 10.22، باعتبارها حجر الزاوية في تنزيل السياسات الجديدة، من خلال رقمنة كافة الإجراءات، واعتماد الذكاء الاصطناعي في تقييم الأبحاث السريرية، وتيسير التراخيص بفعالية وشفافية.
كما أعلن التهراوي عن إحداث مرصد وطني للأدوية، سيكون مكلفاً برصد الأسعار وتتبع الانقطاعات وتحليل دينامية السوق، وهو ما من شأنه تمكين الدولة من اتخاذ قرارات دقيقة، والتقليل من مظاهر الاحتكار أو الندرة المصطنعة، وتعزيز السيادة الدوائية المغربية.
الورشة الإصلاحية شملت أيضاً مشروع إحداث منصة لوجستيكية وطنية موحدة لتزويد المؤسسات الصحية بالأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة في ظل الهدر الكبير الذي تعاني منه المنظومة، بسبب الانقطاعات أو انتهاء الصلاحية، والذي يقدر بخسائر سنوية مرتفعة في إطار ميزانية إجمالية تبلغ 3,6 مليار درهم.
وسيتم تفعيل المنصة بشكل تدريجي خلال 18 شهراً، في تنسيق مع المجموعات الصحية الترابية، لتأمين التوريد المنتظم والاستجابة الفورية للحاجيات، مع رقمنة كل حلقات سلسلة التموين.
من جهة أخرى، كشف التهراوي عن مشروع “ماربيو” بمدينة بنسليمان، الرامي إلى إنتاج اللقاحات محلياً لتغطية 100% من حاجيات البرنامج الوطني للتلقيح بحلول سنة 2027. وأكد أن أول دفعات اللقاحات المصنعة محلياً ستُسلَّم قبل نهاية سنة 2025.
وقد خُصص لهذا المشروع أكثر من مليار درهم لتأمين 5,4 مليون جرعة خلال سنتي 2025 و2026، تشمل لقاحات المكورات الرئوية والتهاب السحايا واللقاح السداسي، في خطوة وصفها الوزير بأنها تمثل “تحولاً استراتيجياً نحو السيادة الصحية”، كما تم إحداث لجنة علمية خاصة لتحيين الجدول التلقيحي الوطني.
وشدّد الوزير على أن هذا الإصلاح لا يكتفي بإجراءات ظرفية، بل يكرّس نموذجاً دوائياً ولقاحياً جديداً يرتكز على الشفافية، التصنيع المحلي، السيادة، والتوزيع العادل، ضمن رؤية تضع صحة المواطن في قلب السياسات العمومية.
وأشار إلى أن القانون الإطار 06.22 الخاص بالمنظومة الصحية الوطنية، يُعد مرجعاً أساسياً لهذا التحول، حيث نص صراحة على ضرورة إرساء سياسة دوائية تضمن الوفرة والجودة والتكلفة الملائمة.
وأكد التهراوي أن أسعار الأدوية لا تزال تشكل عبئاً ثقيلاً على الأسر المغربية، خصوصاً بعد تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، مشيراً إلى أن تعويضات الأدوية ارتفعت بنسبة 31% بين عامي 2022 و2024، ما يستدعي إصلاحاً هيكلياً عاجلاً يضمن استدامة النظام الصحي ونجاعة آلياته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد