من التوقيف إلى الإفلاس: تعديلات الأغلبية تُشعل جدلاً حول مصير حرية الصحافة بالمغرب

هبة زووم – محمد خطاري
في خطوة مثيرة للجدل، وُصفت بأنها “ضربة مزدوجة” لحرية التعبير، توافقت فرق الأغلبية داخل مجلس النواب على تعديل جوهري في مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.
التعديل يقضي بحذف صلاحية المجلس في توقيف المطبوعات الدورية أو الصحف الإلكترونية لمدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا، وهي العقوبة التي كانت تعتبر من أبرز الآليات التأديبية لمواجهة التجاوزات المهنية أو القانونية.
لكن خلف هذا التنازل الظاهري، تلوح نوايا مقلقة. إذ اقترحت الأغلبية البرلمانية تعويض عقوبة التوقيف بغرامة مالية ثقيلة، تتراوح ما بين 300 ألف و500 ألف درهم، وهي عقوبة، وإن بدت قانونية في ظاهرها، إلا أن دلالاتها الاقتصادية والأخلاقية فجّرت موجة من الانتقادات في الأوساط الإعلامية والحقوقية، التي رأت فيها استهدافًا غير مباشر للمقاولات الصحفية المستقلة، ومحاولة “ناعمة” لخنق الأصوات الحرة.
فبدلًا من توقيف مؤقت يمكن الطعن فيه أو تجاوزه، باتت الصحف مهددة بعقوبات مالية قد تؤدي إلى إفلاسها، في سياق اقتصادي هش تعاني فيه أغلب المؤسسات الإعلامية من أزمات تمويل وصعوبات في التوزيع والإشهار.
وبحسب مهنيين في القطاع، فإن هذه الغرامات المرتفعة تمثل عقوبة أشد من التوقيف نفسه، لما تحمله من أثر استدامة على البنية الاقتصادية للصحافة، وتُعرّضها لنزيف مالي يصعب تداركه.
ويثير هذا التعديل تساؤلات عميقة حول التوجه التشريعي للحكومة إزاء حرية الإعلام، وهل تسعى فعلاً إلى تنظيمه بشكل يكرس التعددية ويحمي المهنية، أم أن الهدف هو سن قوانين تُمكّن من التحكم غير المباشر في الصحافة، عبر تهديدات مالية تُفضي إلى إسكات المنابر غير المرغوب فيها؟
ولم يأتِ هذا التعديل في معزل عن مناخ عام يتسم بتزايد الرقابة الذاتية وتراجع مؤشر حرية الصحافة في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقارير منظمات دولية.
وفي الوقت الذي ترافع فيه النقابات المهنية والهيئات المدافعة عن الصحافيين من أجل ضمانات قانونية أكثر صلابة في وجه التضييقات، تفاجئ الأغلبية الجميع بمقترحات تُحول المجلس الوطني للصحافة من مؤسسة مهنية إلى “مقصلة مالية”، ترفع سيف العقوبات فوق كل منبر غير منسجم مع السياق الرسمي.
من جهتها، لم تقدم الحكومة حتى الآن تبريرات مقنعة لهذا التوجه، كما لم تُفتح مشاورات موسعة مع ممثلي الجسم الصحفي قبل طرح التعديلات، ما زاد من حدة التشكيك في نواياها، وفتح المجال أمام تأويلات تربط بين هذه الخطوات وبين ما وصفه البعض بـ”الإعداد لمرحلة إعلامية منضبطة سياسياً”.
في ضوء هذا المستجد، يبقى السؤال المركزي معلقًا: هل نحن أمام خطوة لتحديث قوانين الصحافة وتنقيحها بما ينسجم مع العصر؟ أم أن ما يحدث هو هندسة قانونية لتحييد الأصوات الناقدة، وتطويع القطاع لخدمة أجندة معينة؟
الإجابة، كما يراها عدد من الفاعلين، ستكون رهينة بقدرة المجتمع المدني، والنقابات الصحفية، والمعارضة السياسية، على التصدي لمحاولات تدجين الإعلام، والمرافعة من أجل قانون عادل، لا يبتلع حرية الكلمة في فخ الغرامات القاتلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد