هبة زووم – الرشيدية
في مشهد يتكرر بصمت ثقيل، وصلت صباح الخميس 24 يوليوز الجاري، حافلة تقل عدداً من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى محطة مدينة الرشيدية، في رحلة ترحيل داخلي تجري في هدوء ميداني، لكنها تثير ضجيجاً متزايداً في نفوس الساكنة.
الحافلة، التي رافقتها عناصر من الدرك الملكي، لم تكن استثناءً، بل جزءًا من استراتيجية أمنية وصحية تُنفذ بعيدًا عن النقاش العمومي، ترحل بموجبها السلطات عشرات المهاجرين غير النظاميين من مدن الشمال والساحل نحو مناطق الداخل الهشة والبعيدة عن الأنظار.
الرشيدية… قدرٌ ثقيل أم إقصاء ممنهج؟
يتساءل سكان المدينة بمرارة: هل أصبح قدر الرشيدية أن تستقبل كل ما يضيق به صدر “المغرب النافع”؟ فمن ترحيل المسؤولين المغضوب عليهم إلى تعيين الأطر المحسوبة على الهامش الإداري، وها هي اليوم تُستعمل كوجهة لتفريغ مهاجرين في وضعية غير قانونية، دون مراعاة لهشاشة البنية التحتية أو حساسية النسيج الاجتماعي المحلي.
وبينما تبرر السلطات هذه الترحيلات بكونها إجراءات تنظيمية لضبط الوضع الأمني في المدن الكبرى، يرى عدد من المراقبين أن غياب سياسة إدماج حقيقية وهروبًا من معالجة جوهر الظاهرة، هو ما يدفع بالدولة إلى استخدام مدن مثل الرشيدية كـ”صمام تفريغ” إنساني واجتماعي.
مخاوف مشروعة وصور نمطية قاتلة
على مواقع التواصل الاجتماعي، تتناسل شهادات لسكان من مختلف مناطق المملكة يعبّرون عن مخاوف من بعض السلوكيات المنسوبة لفئة من المهاجرين، وهي مخاوف، وإن كانت تعكس قلقًا مشروعًا، إلا أنها تخاطر بترسيخ خطاب التعميم والخوف من الآخر، بدل الدفع نحو نقاش عقلاني يوازن بين حق المواطن في الأمن وحق المهاجر في الكرامة.
وفي مدينة مثل الرشيدية، التي تعاني أصلًا من محدودية في التشغيل والسكن والخدمات الصحية، تثير هذه التحركات قلقًا إضافيًا حول قدرة المدينة على احتواء وافدين جدد في وضعية هشّة، دون توفير الدعم المؤسسي أو المجتمعي اللازم.
المطلوب: عدالة مجالية لا ترحيل أزمة
يُجمع نشطاء حقوقيون ومهتمون بالشأن المحلي على أن معالجة إشكالية الهجرة غير النظامية لا يجب أن تتحول إلى معاقبة مدن الأطلس والجنوب الشرقي، عبر ترحيل الأزمات نحوها. فالمطلوب، حسب تعبير أحد الفاعلين المحليين، ليس ترحيل المهاجر، بل ترحيل منطق الإقصاء واللامساواة المجالية.
الرهان الحقيقي يكمن في بناء سياسة هجرة عادلة وإنسانية ومتوازنة، تضع في الاعتبار كرامة المهاجر وخصوصية المدينة، وتراهن على الإدماج بدل الإبعاد، والشراكة بدل التهميش.
تعليقات الزوار