الجواهري يقرع جرس الإنذار: القرى تفقد مناصب الشغل والمدن تنتج الهشاشة

هبة زووم – الرباط
في تقريره السنوي المقدم أمام الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى عيد العرش، رسم بنك المغرب صورة مقلقة عن وضعية سوق الشغل بالمملكة خلال سنة 2024، مبرزًا استمرار التدهور في الوسط القروي مقابل تحسن كمي محدود في المدن، لكنه غير كافٍ لتغطية التحديات البنيوية التي تواجه التشغيل.
ووفق المعطيات التي قدمها والي البنك عبد اللطيف الجواهري، فإن سنة 2024 سجلت فقدانًا جديدًا في مناصب الشغل داخل قطاع الفلاحة والغابات والصيد، بلغ 137 ألف منصب، ما يعمّق أزمة التشغيل في المناطق القروية التي تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية وهشاشة المداخيل، وتبعية مفرطة لتقلبات المناخ.
مدن تنتعش على الهامش: شغل موسمي وغير مهيكل
في المقابل، سجل التقرير تحسنًا على المستوى الكمي في المدن، غير أن هذا الانتعاش سرعان ما خفت بريقه تحت مجهر الجودة.
فالمناصب المستحدثة، بحسب البنك المركزي، تتركز في قطاعات يهيمن عليها العمل غير المهيكل والشغل الموسمي أو الصدفي، وهي فروع اقتصادية لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار المهني أو التغطية الاجتماعية.
وسُجل تحسن بـ160 ألف منصب في قطاع الخدمات، و46 ألفًا في الصناعة، مقابل ارتفاع محدود في البناء بـ13 ألف منصب فقط، رغم الطفرة التي عرفتها القيمة المضافة للقطاع.
هذا التناقض يكشف عن خلل هيكلي بين النمو الاقتصادي ومردوديته التشغيلية، ما يعيد طرح سؤال جوهري: لمن تُخلق الثروة؟
حصيلة غير كافية.. وتراجع عن مستوى ما قبل الجائحة
وعلى الصعيد الوطني، كشف التقرير أن الاقتصاد المغربي أحدث صافي 82 ألف منصب شغل جديد، ليبلغ مجموع المناصب حوالي 10.7 ملايين.
لكن هذا الرقم لا يزال دون مستوى ما قبل الجائحة، وتحديدًا سنة 2019، مما يُظهر أن انتعاش سوق العمل ما يزال هشًا، ومحصورًا في قطاعات غير مستدامة.
الأخطر من ذلك، أن حجم السكان في سن العمل ارتفع بـ386 ألف شخص خلال العام نفسه، بينما لم يلتحق بسوق الشغل سوى 140 ألفًا فقط، ما يعني أن الاقتصاد الوطني فشل في استيعاب جزء كبير من الطاقة البشرية القادرة على العمل، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة أو انكماش نسبة النشاط.
الرسائل الضمنية: الفلاحة تحت الضغط والبناء لا يُواكب الاستثمار
من خلال القراءة القطاعية، يُفهم من التقرير أن القطاع الفلاحي يعيش أزمة حقيقية، بعد سنوات من التضرر بفعل الجفاف وسوء توزيع الموارد المائية، في وقت لم تنجح فيه سياسات “الجيل الأخضر” بعد في خلق فرص عمل مستقرة وذات إنتاجية.
أما قطاع البناء، فرغم ضخ استثمارات مهمة في البنية التحتية والإعلان عن مشاريع ضخمة كـ”مدن جديدة”، إلا أن الشغل في هذا القطاع لم يرتفع سوى بـ13 ألف منصب، ما يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات العمومية في تحويل النمو الاستثماري إلى تشغيل فعلي.
خلاصات تُقلق صناع القرار
المؤشرات التي كشف عنها تقرير بنك المغرب تؤكد مجددًا أن معضلة الشغل في المغرب ليست فقط في الكم، بل في النوع والجودة، حيث يظل التوظيف هشًا وموسميًا في قطاعات قليلة القيمة المضافة، بينما يعاني الشباب في المناطق القروية والحضرية على حد سواء من ضعف الآفاق وفرص الاندماج المهني.
وفي ظل الدينامية الديمغرافية المتواصلة، أصبح من الضروري، وفق مختصين، إعادة هيكلة سوق العمل وتوجيه الاستثمار نحو قطاعات مستدامة ومرنة، وربط التعليم والتكوين المهني بحاجيات السوق، والتسريع بتنزيل سياسات التشغيل الفعالة، بدل الاكتفاء بإعلانات ظرفية أو حلول ترقيعية.
سوق الشغل في المغرب، كما أظهر تقرير الجواهري، ما يزال عنوانًا للأزمة الاجتماعية الصامتة، التي لا تُقاس فقط بنسب البطالة، بل بمدى قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل لائقة، تُعيد الأمل لجيل كامل يواجه مستقبلاً غامضًا.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد