هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مشهد يعكس انفصامًا صارخًا بين الخطاب الرسمي وواقع المواطنين، خرجت ساكنة حي “المعدن أوربيع” بمدينة بني ملال في مسيرة احتجاجية غاضبة، صباح يوم أمس الاثنين، باتجاه مقر الولاية، للمطالبة بأبسط الحقوق: الماء الصالح للشرب والكهرباء.
الاحتجاج الذي سلكه العشرات من السكان، رجالًا ونساءً، لم يكن من أجل امتيازات أو مطالب فوق العادة، بل جاء نتيجة حالة احتقان اجتماعي تراكمت لسنوات، في منطقة، محسوبة على النطاق الحضري ياحسرة، لا تبعد إلا بضع مئات من الأمتار عن مقر من يُفترض أنه المسؤول الأول عن التنمية بالإقليم.
المفارقة المثيرة، والتي تحولت إلى سخرية مُرّة بين المحتجين، هي أن هذا الاحتجاج يأتي أسابيع قليلة فقط بعد التصريحات التي أدلى بها وزير الداخلية في قبة البرلمان، والتي أكد فيها أمام ممثلي الأمة أن “جميع المناطق بالمغرب أصبحت مربوطة بشبكات الماء والكهرباء”.
لكن ساكنة “حي المعدن” لم تستمع للوزير من داخل البرلمان، بل كذّبته على الأرض، بالمسيرة والصرخة والوجع، فكيف لمثل هذا الحي، الواقع في قلب عاصمة جهة بني ملال خنيفرة، أن يعيش في سنة 2025 دون ماء ولا كهرباء؟ وأين هي المشاريع المعلنة؟ ومن يُحاسب المسؤولين على هذا التناقض الفاضح بين التقارير والواقع.
الاحتجاج، الذي حمل رسائل قوية إلى والي الجهة، محمد بنرباك، لم يكن الأول من نوعه، لكنه قد يكون الأكثر وضوحًا من حيث نزع ورقة التجميل عن واقع مرير ظل يُدار بسياسة التعتيم والتجاهل.
فالوضع الكارثي الذي تعيشه أحياء مثل “المعدن أوربيع” ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج سنوات من التهميش، وامتداد مباشر لـ”منهج التراخي” الذي بصم عليه الوالي السابق خطيب لهبيل، والذي جعل من “الانتظارية” أسلوب عمل، ومن “ترك الأمور تمر” شعارًا غير معلن لتسيير الملفات الاجتماعية.
ما خرجت من أجله ساكنة حي المعدن ليس رفاهية، بل هو الحد الأدنى من شروط الكرامة الإنسانية. وحين يُضطر المواطن المغربي للخروج إلى الشارع، فقط ليُسمَع صوته من أجل قطرة ماء، أو ضوء مصباح، فإننا أمام مؤشر خطير عن خلل عميق في منظومة العدالة المجالية والتدبير الترابي.
الأدهى من ذلك، أن هذا الاحتجاج لا يتعلق بدوار ناءٍ أو جماعة معزولة في أعالي الجبال، بل هو في وسط مدينة تعتبر قطبًا جهويا، وتستقبل وفودًا وزارية باستمرار، ما يجعل غياب الخدمات الأساسية فيها فضيحة سياسية وتنموية بامتياز.
خرج المواطنون إلى الشارع، ورفعوا صوتهم. الرسالة واضحة ومحرجة: الناس “ما بغاو والو”، فقط الماء والكهرباء، والكرة الآن في ملعب الوالي بنرباك، وفي ملعب المجلس المنتخب، وفي حضن وزارة الداخلية التي يُفترض أنها تُتابع التقارير الميدانية من خلال أجهزتها الترابية.
فهل تتحرك الدولة قبل أن يفقد المواطن ثقته بالكامل؟ أم أن الاحتجاجات ستظل هي السبيل الوحيد لتذكير المسؤولين أن في هذا البلد أناسًا لا يزالون ينتظرون نقطة ماء… في زمن مشاريع تحلية البحار وخطوط الطاقات المتجددة؟
تعليقات الزوار