هبة زووم – الرشيدية
في قلب الجنوب الشرقي، تقف الرشيدية شاهدة على عقد كامل من السياسات المحلية الفاشلة، حيث تحوّل الزمن السياسي إلى زمن ضائع، وأُهدرت الإمكانيات دون أن تلامس حياة المواطنين.
عشر سنوات كانت كفيلة بأن تغيّر ملامح المدينة وتفتح أمامها أفقًا للتنمية، لكنها انزلقت إلى متاهة الرداءة والانتظارية، لتبقى أسيرة شعارات لا تغادر المنصات ولا تُترجم على الأرض.
الرشيدية، التي طالما رُوّج لها كـ”منارة” للجنوب الشرقي، لم تعد أكثر من فضاء باهت تُدار فيه الشأن العام بعقلية الغنيمة وتقاسم الكعكة السياسية.
فكل المؤشرات تكشف أن المجالس المنتخبة ومعها المؤسسات المتعاقبة عجزوا عن صياغة مشروع حقيقي للتنمية، تاركين المواطنين يواجهون واقعًا يوميًا مريرًا: طرق محفّرة، أحياء غارقة في الظلام، خدمات عمومية متدهورة، ونسيج اقتصادي هش لا يوفّر لا فرص العمل ولا الكرامة.
التنمية كواجهة للاستهلاك السياسي
خلال السنوات الماضية، تحوّل ملف التنمية في الرشيدية إلى مجرد واجهة انتخابية، تُستعمل كشعار لتزيين الخطابات، بينما على الأرض يسود منطق “الترقيع” و”البريكولاج”.
الإنارة العمومية أصبحت إنجازًا يُسوّق كما لو كان فتحًا تاريخيًا، والحفر المرقعة في الطرق تُقدّم على أنها مشاريع كبرى، هذه العقلية لم تنتج سوى “مدينة مستهلكة” لا تُراكم لا في بنيتها ولا في مواردها، بل تستهلك ما يأتيها من ميزانيات دون أثر ملموس.
بورصة المصالح بدل المصلحة العامة
أخطر ما يكشفه الواقع السياسي في الرشيدية هو تغوّل منطق المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، لقد تحولت المدينة إلى “بورصة للمنافع”، حيث تتداخل الولاءات الحزبية بالمصالح الاقتصادية والشخصية، وحيث يتم تدبير الزمن الجماعي كغنيمة انتخابية، لا كرأسمال تنموي.
والمواطن البسيط هو من يدفع الثمن: شباب يهاجرون بلا أمل، أسر ترزح تحت ضعف الخدمات، ومدينة تفقد بريقها أمام مدن أقل منها إمكانيات لكنها تتقدّم بخطوات ثابتة.
واقع يفضح الخطاب الرسمي
المفارقة الصارخة تكمن في الهوة بين الخطاب والواقع. فعلى المنصات الرسمية، تُقدَّم الراشيدية كمدينة في طور الصعود، بينما الحقيقة على الأرض تقول العكس: جمود في الاستثمار، غياب رؤية سياحية واقتصادية، وانعدام أي خطة جريئة تعيد للمدينة دورها كقاطرة للجنوب الشرقي.
المواطن هنا صار يدرك أن الكلام الرسمي لا يعدو أن يكون تسويقًا لسراب.
عقد من الهدر والانتظارية
اليوم، وبعد عقد كامل من التدبير السياسي المحلي، تطرح أسئلة حارقة: ماذا ربح المواطن من هذه السنوات؟ أين انعكس حجم الميزانيات المرصودة على معيشه اليومي؟ ولماذا تُترك مدينة بهذه الرمزية التاريخية والجغرافية رهينة سياسات قصيرة النفس؟
الجواب الواضح أن الرشيدية عاشت عقدًا من الهدر، حيث أُهملت الملفات الاستراتيجية: من الصحة والتعليم إلى البنيات التحتية والتشغيل. عقدٌ ضاع بين المزايدات والتجاذبات، دون أن يُكتب للمدينة أن تلتحق بركب التنمية الوطنية.
الحاجة إلى قطيعة سياسية
إن مستقبل الرشيدية يقتضي قطيعة جذرية مع منطق التسيير الحالي. المطلوب ليس مجرد تغيير وجوه أو تبادل أدوار، بل تغيير في العقليات والمقاربات.
المدينة تحتاج إلى مشروع جامع، مبني على رؤية تنموية حقيقية، تُشرك الكفاءات المحلية وتستثمر في الإمكانيات الاقتصادية والسياحية والثقافية الهائلة التي تزخر بها المنطقة.
الرشيدية اليوم ليست في حاجة إلى شعارات جديدة، بل إلى إرادة سياسية صلبة تعيد الاعتبار للمدينة ولساكنتها، وتنهي زمن الاستهلاك والرداءة، وتفتح أفقًا للتنمية الفعلية.
تعليقات الزوار