أزيلال.. إقليم على هامش التنمية رغم ثرواته ومقوماته

عمر أوزياد – أزيلال
في زيارتي الأخيرة إلى إقليم أزيلال وقفت على واقع تنموي مرير يكشف عن أزمة عميقة لا يمكن إنكارها، رغم ما يتوفر عليه الإقليم من مقومات طبيعية وثقافية تجعله في موقع مميز بين مناطق المملكة.
المشهد الذي رأيته يتجاوز بكثير ما تصفه التقارير الرسمية من أرقام وجداول، إنه واقع ملموس يعاني منه سكان أزيلال يوميا، واقع يتسم بفقر مدقع، وغياب او ضعف للخدمات الأساسية، وتدهور واضح في البنى التحتية التي يفترض أن تكون عاملا مساعدا على فك العزلة وتحقيق التنمية لا عقبة في وجهها.
في العديد من المناطق التي زرتها، بدا واضحا شكل الطرق المتدهورة، التي تحولت في بعض الأحيان إلى ممرات وعرة وخطرة أحيانا. طرق تفصل القرى عن مراكز المدن، تعيق حركة السكان وتنقلاتهم اليومية ما ينعكس سلبا على فرص التعليم والعمل والوصول إلى الخدمات الصحية.
المراكز الصحية تفتقر إلى التجهيزات المطلوبة، مما يزيد من معاناة المرضى ويجبر الكثيرين على التنقل لمسافات طويلة لتلقي العلاج. المدارس بعيدة عن الاطفال وتعاني بدورها من ضعف في التجهيز، وهو ما يحد من فرص الأطفال والشباب في نيل تعليم جيد يؤهلهم لمستقبل أفضل.
هذا الواقع ينبع من غياب إرادة سياسية واضحة ورؤية تنموية شاملة تراعي خصوصيات الإقليم وتستجيب لحاجيات ساكنته بشكل منهجي ومستدام. الغياب شبه التام لأي تدخلات فعالة يعكس إهمالا ممنهجا يفاقم من هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
من الجانب الإعلامي، وبالرغم من أهمية دور الصحافة في فضح هذه المعاناة وطرح قضايا المواطنين إلا أن الواقع الملموس يظهر أن وسائل الإعلام المحلية في أزيلال تعاني من تحجيم حقيقي.
وتعمل أحيانا كأدوات ترويجية تخدم أجندات بعض المنتخبين والساسة داخل الاقليم، وتظل بعيدة عن نقل الحقيقة كما هي. إذ تحولت بعض الصفحات الفايسبوكية إلى منصات للتجميل والترويج السياسي، حيث تقوم بتزيين صورة المنتخبين والسياسيين الذين يمولونها، دون أن تتناول بموضوعية المشاكل العميقة التي تواجه الإقليم وسكانه.
هذا التوجه الإعلامي لا يخدم المصلحة العامة، بل يعمق الفجوة بين المواطن ومؤسساته، ويجعل من الإعلام مجرد أداة تضليل بدلا من كونه صمام أمان للمجتمع.
أكثر ما أثار قلقي في هذه الزيارة كان غياب المنتخبين والسياسيين عن مواقع الكوارث الطبيعية، وبالأخص الفيضانات التي ضربت مناطق عدة في الإقليم. في وقت تكافح فيه الأسر المتضررة للحد من آثار الكارثة، تغيب أغلب المسؤولين المنتخبين عن المشهد، متجنبين التفاعل المباشر مع المأساة التي يعيشها المواطنون، مما يرسل رسائل سلبية حول أولوياتهم الحقيقية.
في المقابل، يظهر هؤلاء المسؤولون بشكل لافت في المهرجانات والاحتفالات التي تستقطب الإعلام وتوفر لهم فرصة الظهور والترويج، وهو ما يثير تساؤلات جادة عن مدى مصداقيتهم والتزامهم بواجباتهم.
إقليم أزيلال اليوم بحاجة إلى مراجعة جذرية في السياسات التنموية التي تطال مختلف القطاعات. يتطلب الأمر وضع استراتيجيات متكاملة تراعي الخصوصيات المحلية، وتعمل على إعادة بناء البنى التحتية، وتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية، وتعزيز فرص التعليم والتشغيل.
لا يمكن لأي تنمية حقيقية أن تتحقق من دون إشراك المجتمع المدني المسؤول والجاد وفتح قنوات حوار مع السكان للاستماع إلى مطالبهم وإشراكهم في صنع القرار.
كما أن هناك حاجة ملحة إلى إعلام مستقل وموضوعي قادر على لعب دوره الرقابي والتوعوي، لا أن يكون أداة تسويقية لصالح أطراف انتخابية معينة. صحافة تمثل نبض الشارع، وتفضح أوجه القصور، وتطرح بدائل حقيقية للإصلاح والتنمية.
في النهاية، لا يعاني إقليم أزيلال من نقص في الإمكانيات فقط، بل يعاني من غياب الإرادة السياسية والشفافية والمصداقية التي هي الأساس لبناء مستقبل أفضل. المواطنون هنا يتطلعون إلى أكثر من وعود مؤقتة أو حضور إعلامي في مناسبات، فهم يريدون عملا حقيقيا وجهدا متواصلا يغير من واقعهم ويحقق لهم حياة كريمة وفرصا عادلة للتنمية.
وعلى الجميع أن يدركوا أن التنمية الحقيقية تبدأ من الأرض، من استماع المنتخبين والمسؤولين لنبض الناس، ومن احترام مطالبهم والعمل على تلبيتها بجدية ومسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد