هبة زووم – إلياس الراشدي
تعيش الأحزاب السياسية في الدار البيضاء ـ كما في باقي مدن المغرب ـ حالة غير مسبوقة من التآكل التاريخي.
هياكل مترهلة فقدت بريقها وقدرتها على التأطير والإقناع، وغابت عنها المبادرة، فصارت مقراتها مجرد جدران صامتة بلا روح، بعدما هجرتها أجيال كانت تنتظر منها أن تكون مدرسة للتنشئة السياسية وصناعة الوعي الجماعي.
اليوم، لم يعد جيل “زد” يجد نفسه داخل هذه البنايات الحزبية الموحشة. شباب تربّى في عالم السرعة والرقمنة لا يثق في خطابات متقادمة ولا في وجوه كرّست خطابًا خشبيًا لا يُقنع أحدًا. بالنسبة لهم، مقطع فيديو قصير على “تيك توك”، أو وسم متقن على “تويتر”، أقدر على تحريك الرأي العام وحشد الناس أكثر من أي مهرجان حزبي أو خطاب كلاسيكي.
جيل “زد” ليس في حاجة إلى النزول الدائم للشارع، لأنه يتقن لغة جديدة للاحتجاج: لغة ساخرة، هجومية، لا تقدّس الرموز ولا تخشى السلطة، احتجاجاته “سائلة”، متدفقة، غير مؤطرة بقيادة أو برامج تقليدية، لكنها تملك طاقة هائلة على خلق زلازل اجتماعية متكررة.
إنها لحظة تاريخية فارقة: إما أن تعيد الأحزاب بناء جسور الثقة مع الشباب وتجدّد لغتها وآلياتها، أو أن تتحول إلى مجرد أثر بعد عين، تُدفن نهائيًا تحت أقدام جيل لا ينتظر إذنًا من أحد ليعبّر عن غضبه، بل يكفيه هاشتاغ ساخر أو صورة مُحكمة ليفضح مسؤولًا ويقلب المزاج العام.
جيل “زد” يدق آخر مسمار في نعش الأحزاب، ليس لأنه يكره السياسة، بل لأنه لم يجد بعد سياسة تليق بذكائه الرقمي وجرأته الاحتجاجية. وإذا لم تستوعب المؤسسات الرسمية هذه الحقيقة، فإن الطاقة الانفجارية لهذا الجيل ستظل تهدد بمنعطفات غير محسوبة.
تعليقات الزوار