المراسل – الحسيمة
تعيش جماعة الحسيمة منذ أسابيع على إيقاع توتر سياسي خفي، بعد تسريب أربع مراسلات رسمية صادرة عن رئيس الجماعة نجيب الوزاني وموجهة إلى فريق العدالة والتنمية، تكشف كواليس صراع إداري وسياسي يتجاوز الشكل القانوني إلى عمق تدبير الشأن المحلي ومفهوم الرقابة والمحاسبة.
المراسلات، المؤرخة في 29 شتنبر 2025، تتعلق بردّ الرئيس على رفض إدراج أربع نقاط اقترحها الفريق المعارض ضمن جدول أعمال الدورة العادية الثالثة، مستندًا في ذلك إلى المادة 40 من القانون التنظيمي 113-14، وهو ما فُسّر بأنه “تسليح إداري” لتفادي النقاش حول ملفات حساسة تتصل بالأملاك الجماعية والصفقات العمومية.
تحليل الوثائق يشير إلى أن مكتب المجلس اعتمد منهجية فلترة قانونية للمواضيع المقترحة، تمنع وصول القضايا الساخنة إلى مائدة المداولة، ما أثار حفيظة فريق العدالة والتنمية بقيادة نبيل الأندلوسي، الذي اعتبر أن “الرئيس يحتمي بالقانون لتغييب النقاش العمومي وتحصين نفسه من المساءلة السياسية”.
وبينما يرى الرئيس أن قراراته “مطابقة للنصوص التنظيمية”، يؤكد المعارضون أن روح القانون تمّ الالتفاف عليها، وأن ما يجري “هو إفراغ للمؤسسة التمثيلية من مضمونها الرقابي”.
هذا، وقد كشفت المراسلات التي وضعها على طاولة رئيس جماعة الحسيمة ملفات مثيرة تم إقصاؤها من المداولات:
1. ملف النظافة: بين الجماعة ومجموعة الجماعات “نكور غيس”
طالب فريق العدالة والتنمية باستدعاء مدير شركة التدبير المفوض للنظافة لمساءلته حول الاستثمارات وآفاق التطوير، لكن الرئيس رفض إدراج النقطة، مبررًا أن المخاطب القانوني هو مجموعة الجماعات نكور غيس.
تحليل الردّ يُبرز استعمالًا ذكيًا للنص القانوني كوسيلة لتجنّب مواجهة علنية مع شركة التدبير، وتحويل المساءلة إلى مستوى إداري معقّد وأقل شفافية.
2. عقارات الرياضة وشبهات ملك الدولة
أخطر الملفات التي حاولت المعارضة إدراجها يتعلق بالوضعية العقارية لنادي كرة المضرب والملعب المجاور له، المقام على ملك الدولة (الرسم العقاري 24/12345).
الفريق طالب باستدعاء المندوب الإقليمي لأملاك الدولة، غير أن الرئيس استبعد النقطة بدعوى أن الأمر “خارج الاختصاص المباشر للجماعة”.
لكن مصادر من داخل المجلس تؤكد أن ملف العقارات الرياضية يضم شبهات استغلال غير قانوني لأملاك عمومية، ظلت طي الصمت منذ سنوات.
3. ممتلك “بلفوريدو”: من المداولة إلى السؤال الكتابي
في خطوة وُصفت بالتحايل الإجرائي، حوّل الرئيس مقترح المعارضة بشأن استرجاع ممتلك “بلفوريدو” من نقطة للمداولة إلى سؤال كتابي، بدعوى أن الملف سبق طرحه في دورة سابقة.
بهذا الإجراء، انتقل الموضوع من نقاش مفتوح بقرار محتمل إلى مجرد جواب إداري محدود الأثر، ما اعتُبر “تخفيفًا للضغط السياسي” على الجهاز التنفيذي.
4. ملعب القرب بتغانمين: المانع العقاري في مواجهة المطلب الاجتماعي
اقترح فريق “البيجيدي” تحويل جزء من ملعب القرب بحي تغانمين إلى مدرسة ابتدائية لسد الخصاص التعليمي، غير أن الرئيس رفض إدراج النقطة بدعوى أن العقار “ملك خاص”.
النتيجة: أُغلق الملف قانونيًا، بينما ظل الطلب الاجتماعي معلّقًا في واحدة من أكثر مناطق الحسيمة كثافة سكانية.
وفي قراءة سياسية لما يحدث، تؤكد المعطيات أن نجيب الوزاني يمارس ما يمكن تسميته بـ “الإدارة عبر النص”، حيث يتحول القانون من أداة للتنظيم إلى وسيلة لضبط إيقاع النقاش السياسي والتحكم في مخرجات الدورات، فباسم “الانضباط الإجرائي”، يتم تحييد الملفات المزعجة، وباسم “الاحترام القانوني” تُغلق أبواب المساءلة.
ويرى محللون أن ما يحدث في جماعة الحسيمة يمثل صورة مصغرة لأزمة الحكامة المحلية في المغرب، حيث يتحول القانون أحيانًا إلى درع سياسي أكثر منه ضمانة للمحاسبة، ويُستعمل الشكل الإداري كأداة لتقييد الوظيفة الرقابية للمجالس المنتخبة.
في نهاية المطاف، يعكس الصراع بين رئيس جماعة الحسيمة وفريق العدالة والتنمية تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة تقنية صامتة، تُدار بلغة المراسلات لا بلغة الخطابات، وبأدوات إدارية تُغلّف قرارات سياسية.
هي حرب باردة داخل مؤسسة جماعية، ظاهرها التمسك بالقانون، وباطنها صراع على من يملك حق طرح الأسئلة وتحديد سقف الشفافية في تدبير الشأن المحلي.
تعليقات الزوار