هبة زووم – الرباط
بينما يرتدي وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، عباءة النجاح ويعلن عن وفرة المنتوجات الزراعية ونجاح مخطط المغرب الأخضر، يعيش الفلاح المغربي على الأرض واقعاً مغايراً تماماً، ينهشه الجفاف المستمر منذ ثماني سنوات وارتفاع أسعار المواد الفلاحية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تستفيد الشركات الكبرى وكبار المصدرين من دعم الدولة الملياري، تاركين صغار الفلاحين يرزحون تحت وطأة الفشل الإداري والتسيير الكارثي.
البواري، في جلسة لجنة القطاعات الإنتاجية، يوم أمس الثلاثاء، أكد بفخر أن إنتاج مليوني طن من الزيتون هذا الموسم هو ثمرة المخطط، وأن الإنتاج السنوي للتمور يشهد تحسناً بفضل الأشجار التي زُرعت خلال 2016 و2017 و2018.
كما دعا إلى النظر في خطة طويلة الأمد لتحقيق السيادة الغذائية بحلول 2050، متناسياً أن المواطنين والفلاحين لم يروا أي أثر إيجابي ملموس على أرض الواقع، وأن الأسواق المغربية تعج بالأسعار المرتفعة والمنتجات الفاسدة أو غير المتوفرة أساساً.
هذا الكلام الرسمي الجميل على الورق يصطدم مباشرة بعشرات الشهادات الميدانية لفلاحين يعيشون أيامهم في قلق دائم، يصارعون الجفاف، ويكافحون للحصول على مياه الري الأساسية، بينما الدعم المالي الموعود غالباً ما يذهب إلى جيوب المصدرين والشركات العملاقة.
الفارق صار واضحاً: المواطن الفقير يشتري الزيتون والتمور بأسعار خيالية، في حين أن المخطط يُحول الملايير إلى مشاريع وهمية تصب في صالح القطاع الخاص.
الواقع الذي يعيش عليه المغرب يكشف عن فجوة مخيفة بين تصريحات الوزير والحقائق اليومية، فبينما يعلن البواري نجاح المخطط في تعزيز الإنتاج، يواجه الفلاحون صعوبات في التسويق، غياب دعم حقيقي، ونقص آليات الحماية من الجفاف والتقلبات المناخية.
وهذا يعني أن ما يسمّى “المغرب الأخضر” أصبح، عملياً، مشروعاً لصالح النخبة، لا لصغار الفلاحين الذين من المفترض أن يكونوا الركيزة الأساسية لأي مخطط زراعي.
من المؤسف أن الوزير، بدلاً من مواجهة الواقع بشجاعة والاعتراف بنقاط الضعف، يصر على الترويج لإحصائيات وأرقام تزين النجاح، في محاولة لإخفاء فشل سنوات من الدعم العمومي الضخم.
كلامه عن بلوغ مليوني طن من الزيتون لا يغير حقيقة أن الأسواق تعج بالأسعار المرتفعة وأن المستهلك يعاني، كما أن الحديث عن السيادة الغذائية في 2050 يبدو بعيداً كل البعد عن الواقع المرير الذي يعيشه الفلاح والمستهلك اليوم.
إن استمرار هذه السياسات يهدد الأمن الغذائي للمغرب، ويكرس التفاوت بين النخب المستفيدة والفلاحين الصغار، فالمخطط، بدلاً من أن يكون أداة لتحسين حياة المواطنين، أصبح غطاءً لتسويق وهم النجاح وشراء الوجاهة الإعلامية.
وفي الوقت نفسه، المواطن المغربي يحصد الفاتورة: ارتفاع أسعار الزيتون والتمور، نقص المنتجات الأساسية، وإحساس متزايد بالغربة عن سياسات الفلاحة التي يُفترض أن تحميه وتدعم لقمة عيشه.
يبقى السؤال المطروح: إلى متى سيعيش وزير الفلاحة في وادٍ من الأرقام، بينما يغرق الفلاح المغربي في هاوية المغرب الأخضر؟ متى سيقف المسؤولون أمام الواقع، يعترفون بفشل البرامج ويعيدون النظر في استراتيجيات دعم الفلاحين الصغار، قبل أن تتحول هذه السياسات إلى جريمة اجتماعية تلتهم الفقراء وتغذي الأرباح الطائلة لشركات كبيرة؟
المغرب اليوم يحتاج إلى سياسة زراعية جديدة، صادقة وعملية، تضع الفلاح والمواطن في قلب اهتمامها، وتعيد توزيع الدعم بطريقة عادلة، بدل أن تستمر في خدمة النخبة.
فالوهم لا يُطعم أحداً، والإحصائيات الرنانة لا تغني عن واقع مأساوي يعيشه الشعب المغربي، وسط صمت المسؤولين الذين يفضلون الحديث عن أرقام النجاح الوهمية، بينما الفلاح والمستهلك يدفعان الثمن باهظاً كل يوم.
تعليقات الزوار