هبة زووم – إلياس الراشدي
لم يكن قرار عامل إقليم العرائش، بوعاصم العالمين، برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية بطنجة لعزل رئيس جماعة تزروت أحمد الوهابي حدثاً عادياً.
ظاهرياً، يبدو الأمر تطبيقاً صارماً للقانون في مواجهة خروقات تعميرية جسيمة. غير أن ما يجري في الكواليس يروي قصة أكثر تعقيداً عن مدينة تحولت في السنوات الأخيرة إلى مختبر مفتوح لكل أشكال العبث الإداري والريع السياسي.
ففي العرائش، لم تعد الاختلالات مجرد اتهام تُرمى جزافاً. إنه واقع يومي، تُقرأ تفاصيله في الأرصفة المتآكلة، والمدارس المتروكة لمصيرها، والصفقات التي تنتقل من يد إلى يد بـ”الابتسامة العريضة” بدل المساطر القانونية، ورغم ذلك، ظل تحريك المساطر التأديبية بطيئاً، انتقائياً، وكثيراً ما يُستخدم بطريقة تُثير الريبة أكثر مما تُعالج الخلل.
يُجمع عدد من المتتبعين على أن الملفات التي تصل إلى القضاء ليست دائماً هي الأخطر، بل تلك التي يُراد لها أن تصل، فبين رؤساء جماعات موقوفين وآخرين ظلوا يتحركون بحرية رغم شبهات ثقيلة، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تخضع المتابعات لمنطق القانون أم لحسابات القوة والنفوذ؟
وتزداد الصورة ضبابية عندما يعود اسم عامل الإقليم إلى الواجهة، ليس فقط بصفته ممثلاً للسلطة المركزية، بل باعتباره محوراً للجدل المتصاعد.
فبدل أن يكون نموذجاً في الالتزام بالقانون، يجد عامل العرائش نفسه محاطاً بأسئلة محرجة عن الطريقة التي تُدار بها الإقليم، وعن ملفات تم مسّها وآخرى ظلت طيّ التجاهل.
في الأنظمة الديمقراطية الرصينة، العامل موظف دولة يُحاسَب أولاً قبل أن يُحاسِب الآخرين. لكن في العرائش – وفق ما يقوله السكان والحقوقيون – أصبح العامل سُلطة فوق السلطات، موكباً رسمياً متنقلاً، وخطاباً لا يقبل النقد ولا المساءلة.
فحين تتحول المخالفات الواضحة إلى تفاصيل صغيرة تُمرّر بلا مساءلة، وحين يُعامل رجل الدولة معاملة طفل تائه في مهرجان كلما خرق القانون، يصبح السؤال مشروعاً: من يحكم من؟ ومن يُراقب من؟
بعيداً عن الحكم النهائي في قضية رئيس جماعة تزروت، فإن الملف يكشف واقعاً أعمق: التعمير في العرائش ليس مجرد رخص للبناء، بل ورقة سياسية تُستخدم في الوقت الذي يناسب أصحاب القرار.
فملف الوهابي قد يكون مجرد فصل من رواية أكبر، تتشابك فيها شبكات المال والسلطة والسياسة، وتتحكم في مآلات مدينة تئن تحت وطأة سنوات من سوء التدبير، بينما تستمر الخطابات الرسمية في الحديث عن “النموذج التنموي” و”الحكامة الجيدة”.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ستظل العرائش رهينة لدوائر النفوذ ذاتها التي أوصلتها إلى هذا الوضع؟ أم أن زمن المحاسبة سيأتي ذات يوم ليكشف المستور، ويضع حداً لفسادٍ أضحى حديث الشارع قبل أن يكون ملفاً قضائياً؟
الجواب – كما يقول أبناء المدينة – لن يأتي من الشعارات، بل من إرادة سياسية حقيقية تعيد للعرائش مكانتها، وتُنهي عهد الفوضى الذي غطّى وجهها الجميل بغبار الفساد.
تعليقات الزوار