من الصحوة الموسمية إلى تدبير الأصوات.. العرائش تختبر مصداقية تمثيلها السياسي في زمن العامل بوعاصم العالمين
هبة زووم – إلياس الراشدي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تشهد مدينة العرائش حراكاً سياسياً غير مسبوق، يميزه ظهور ظاهرة الهجرة من المهن إلى السياسة، حيث يتسابق مستثمرون ومقاولون ووجوه جمعوية، بل وحتى من كانوا بالأمس القريب بعيدين عن الأضواء، إلى اكتشاف مشروع مجتمعي فجائي، مؤكدين أن المدينة لا يمكن أن تستمر بدونهم.
والأجمل في القصة، أن هذه الصحوة السياسية تأتي دائماً في نفس التوقيت: قبل الانتخابات بقليل، لتختفي بعدها مباشرة، كما تختفي وعود تعبيد الطرقات بعد أول قطرة مطر.
في الكواليس، هناك حديث لا يقال علناً، لكنه معروف لدى الكثيرين، مفاده أن “الورقة الزرقاء” لم تعد مجرد ورقة تصويت، بل أصبحت عملة قائمة بذاتها.
اجتماعات تُعقد بعيداً عن الأعين، وعشاق الديمقراطية يُستقبلون بكرم حاتمي، ليس حباً فيهم، بل في ما يمثلونه: صوت قابل للتدبير، بل إن بعض السماسرة، ممن طافوا بجميع الألوان السياسية، أصبحوا محترفين في تدبير الأصوات، كأننا أمام سوق للأسهم، حيث تُحدد القيمة حسب الحي والولاء والقدرة على الإقناع، والغريب أن الكل يعرف، والكل يتحدث، لكن لا أحد يتحرك رسمياً لوقف هذا الانزياح.
من بين أكثر المشاهد إثارة للاستغراب، عودة وجوه ارتبطت في الذاكرة المحلية بممارسات مثيرة للجدل، لتبدأ حملة انتخابية جديدة، وكأن شيئاً لم يكن.
بل الأكثر إثارة، أن أحد هؤلاء، الذي ارتبط اسمه بتشريد عائلات وإعطاب مشاريع، يهيئ ابنه لدخول غمار الانتخابات، في مشهد أقرب إلى “توريث الفشل” بدل توريث التجربة.
هنا، يصبح السؤال مشروعاً: هل الذاكرة الجماعية في الإقليم ضعيفة إلى هذا الحد؟ أم أن هناك من يراهن على أن المال قادر على محو الماضي؟
في ظل هذا المناخ، تتجه الأنظار نحو دور السلطات الترابية، بقيادة العامل بوعاصم العالمين، في ضمان نزاهة الاستحقاقات، فبينما يُنتظر من العامل أن يكون حارساً للصندوق ودرعاً ضد أي محاولة لشراء الذمم، تثير بعض المعطيات المحلية تساؤلات حول مدى فعالية الإجراءات المتخذة لردع مثل هذه الممارسات، وهل ستكتفي السلطات بالمراقبة الإدارية الروتينية، أم ستقدم على خطوات استباقية حقيقية لحماية الإرادة الحرة للناخب؟
إن ما يحدث في العرائش ليس مجرد تنافس انتخابي عادي، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية المسار الديمقراطي المحلي، فالانتخابات ليست موسماً لجني الأرباح أو تجديد الولاءات، بل هي عقد ثقة بين المواطن ومن يمثله، ومن كان جزءاً من الأزمة، لا يمكنه أن يكون، دون مراجعة حقيقية، جزءاً من الحل.
الساكنة تنتظر اليوم أكثر من الخطابات الرنانة؛ تنتظر أفعالاً تُترجم على الأرض، ورقابة صارمة تضمن أن الصوت حق مقدس لا يُباع ولا يُشترى، فالديمقراطية لا تُبنى على “السمسرة”، ولا على “توريث الفشل”، بل على الشفافية والمحاسبة وبرامج حقيقية تخدم الإنسان.