العرائش: جماعات تنتحر صمتًا وعهد العامل بوعاصم العالمين بين “بطولة الورق” و”هزلية الواقع”

هبة زووم – إلياس الراشدي
مع اقتراب نهاية الولاية الحالية للمجالس الجماعية، يتراءى أمام المتتبعين للشأن المحلي بإقليم العرائش مشهدٌ يشبه “مسرحية مستمرة منذ سنوات”، بطولية على الورق، هزلية في الواقع.
ففي عهد العامل بوعاصم العالمين، تحولت غالبية الجماعات إلى ما يشبه “فيلماً كوميدياً صامتاً”، يُعرض على المواطنين بلا استئذان، حيث تبدو البطولة من نصيب أولئك الذين أتقنوا فن استعراض العضلات الفارغة، بينما الواقع يصرخ بصمت تحت وطأة الإهمال.
لا تخفي الجولات الميدانية في إقليم العرائش أن “قوة” العديد من الجماعات لا تتجاوز الصدى الذي تتركه الكلمات الرنانة في المحاضر واللوائح الرسمية، فأما البنية التحتية لأغلب الجماعات الحضرية والقروية، وحتى الطرق الجبلية المترامية الأطراف، فقد باتت تبدو وكأنها أعلنت إفلاسها في عز أمطار الخير، تلك الأمطار التي كشفت للجميع مدى هشاشة مشاريع “النهضة العمرانية” المزعومة.
فالعضلات الإدارية التي يُفترض أن تُترجم إلى مشاريع ملموسة وخدمات فعالة، تبين أنها “بلا عظام”، لا هيكل قوي يدعمها ولا رؤية واضحة توجهها.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لمسؤولين أن يبرروا هذا الصمت أمام تدهور البنية التحتية؟ وأي قيادة هذه التي تتقن الخطابات وتفشل في التنفيذ؟
لم تكن أمطار هذا الموسم مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل كانت “كاشفاً قاسياً” لهشاشة المشاريع المزعومة، فمع أول زخة مطر، انكشفت الحقائق على الأرض: طرق تُغمر، أحياء تُعزل، منازل تُهدد، ومشاريع يُدّعى إنجازها تتبخر أمام قوة الطبيعة.
هذا الواقع يطرح تساؤلات محرجة حول معايير الجودة والرقابة: أين كانت دراسات الجدوى؟ وأين كانت مراقبة الأشغال؟ إن تحويل “أمطار الخير” إلى “كوارث موسمية” هو اعتراف ضمني بأن المشاريع لم تُبنَ على معايير التنمية المستدامة، بل ربما خضعت لمعايير أخرى بعيدة عن المصلحة العامة.
لا يقتصر المشهد على الجماعات الحضرية القريبة من انهيار البنية التحتية، بل يمتد ليشمل الجماعات القروية التي تُعاني من سوء التدبير المزمن، ووعود بلا تنفيذ، وحكايات تتكرر كما لو أن الزمن قرر أن يكون معلقاً بين الانتخابات.
فبينما تُعلن عن مشاريع تنموية في العالم القروي، يكتشف المواطن أنها إما نصف منجزة أو مجرد “مشاريع أشباح” لا وجود لها إلا على الورق.
وفي هذا السياق، تُستنزف مصالح المواطنين صامتة، لا أحد يسمع صرخاتهم إلا في لحظات قليلة، حين تُلتقط صور للمشاريع المتعثرة أو لأمطار تفضح الهشاشة الكاملة.
وأمام ما يحدث، يصبح السؤال الذي يتردد على كل لسان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ماذا ستترك هذه الولاية خلفها؟ هل هي مجرد أوراق رسمية، وتقارير ضبابية، ومشاريع مموهة بين “نجاح مزعوم” و”فشل صارخ”؟
أم أنها ستصبح أسطورة تروى للأجيال القادمة، عن زمن كانت فيه السياسة مهرجاناً من الخطابات، وصورة على الفيسبوك، وابتسامة مصطنعة في لقاء انتخابي، بينما البنية التحتية تنتحر صمتًا تحت أنظار المسؤولين؟ الإجابة لا تتطلب تحليلاً أكاديمياً، بل تكفي جولة ميدانية لرؤية الإجابة مكتوبة على وجوه المواطنين: إرث من الوعود المكسورة، والمشاريع المتعثرة، والثقة المهدرة.
ما يعيشه إقليم العرائش ليس أزمة ظرفية، بل هو اختبار لمصداقية التدبير المحلي وقدرة المسؤولين على تحويل الوعود إلى واقع، فإما أن تتحرك الجهات الرقابية بجدية لمحاسبة المقصرين، واستعادة ثقة المواطنين، ووضع أسس لولاية جديدة تُعيد الاعتبار للعمل الجماعي، وإما أن تستمر “أسطورة الفشل” التي تحول السياسة إلى مسرحية هزلية، والمواطن إلى ضحية صامتة.
سكان العرائش ينتظرون، والكرامة ليست ورقة انتخابية، فإما محاسبة شجاعة تُنقذ المستقبل، وإما استمرار في الصمت المنتحر الذي يهدر الحقوق ويُعمّق اليأس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد