اسليماني مولاي عبد الله – الرشيدية
تستند المنظومة العمرانية في المغرب إلى قواعد قانونية دقيقة تهدف إلى تحقيق توازن بين متطلبات التنمية من جهة، وضمان سلامة المواطنين وحماية الملكية العقارية والنظام العام من جهة أخرى.
ومع التطور السريع الذي تعرفه المجالات الحضرية وشبه الحضرية، وتزايد الطلب على السكن، ظهرت تحديات كبرى تتعلق بمخالفات البناء والتعمير، والتي أثبتت التجربة أنها ليست مجرد خروقات فردية، بل ظواهر تؤثر على الأمن العام العمراني، وعلى البنيات التحتية، وعلى الاستثمارات العقارية، وعلى صورة المدن المغربية.
وقد جاء القانون رقم 66.12 ليُدخل إصلاحاً واسعاً في مجال معاينة وزجر هذه المخالفات، مانحاً لضباط الشرطة القضائية صفة ضبطية صريحة وفعالة، تشكل اليوم أحد الأعمدة الأساسية لحماية المشهد العمراني الوطني.
وتستمد الصفة الضبطية لضباط الشرطة القضائية إطارها القانوني من المقتضيات القطعية لقانون المسطرة الجنائية، خاصة المواد 18 و24 و40 وما يليها، التي تمنحهم صلاحيات البحث، والتحري، ومعاينة الجرائم، وتحرير المحاضر ذات الحجية الخاصة.
وقد نقل القانون 66.12 هذه الصلاحيات إلى ميدان التعمير، ومنحهم امتداداً وظيفياً مباشراً في مراقبة الأوراش والتدخل عند رصد أي مخالفة، سواء تعلق الأمر بالبناء بدون رخصة، أو تجاوز شروط رخصة مسلّمة، أو المساس بالسلامة الإنشائية، وهي جميعها مخالفات محددة بدقة في القوانين الأساسية، وخاصة القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير والقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية.
ويمثل هذا التنصيص التشريعي خطوة مهمة لرفع فعالية التدخل الميداني، إذ جعل محاضر ضباط الشرطة القضائية محاضر رسمية لها حجية قانونية قوية “إلى أن يثبت العكس”، وفق المقتضيات الصريحة للمادة 23 من القانون 66.12، وهو ما يعزز مصداقية المعاينات، ويمنح للنيابة العامة والسلطات القضائية أدوات قانونية جاهزة وذات قوة إثباتية لمباشرة المتابعات.
كما أتاح القانون للضباط الأمر بوقف الأشغال المخالفة، وتحرير محاضر فورية، والانتقال إلى مواقع البناء بدون سابق إشعار عند الاقتضاء، في انسجام تام مع ما يمنحه لهم قانون المسطرة الجنائية من صلاحيات مرتبطة بضبط الجرائم في حالة التلبس.
وتكتسي هذه الصلاحيات بعداً قانونياً يتجاوز مهمة المراقبة التقنية، لتصبح جزءاً من حماية الأمن العام العمراني. فالبناء غير القانوني يؤدي إلى تشويه المجال، وإضعاف شبكات الطرق والماء والكهرباء والصرف الصحي، وقد يتسبب في انهيارات خطيرة كما وثقتها تقارير رسمية لوزارة الداخلية بين 2018 و2023، وهو ما جعل المشرع يدمج ضباط الشرطة القضائية في قلب آليات إنفاذ القانون، باعتبارهم الجهاز الأكثر قدرة على التدخل السريع، وضمان احترام المساطر، وتطبيق مقتضيات الدستور التي تنص في الفصل 31 على حق المواطن في السكن اللائق، وفي الفصل 35 على حماية الملكية العقارية.
ويرتبط الدور الضبطي للشرطة القضائية أيضاً بمعطيات اقتصادية حقيقية، حيث تشير تقارير للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC) إلى أن مخالفات البناء العشوائي ترفع تكاليف إعادة الهيكلة على الجماعات الترابية، وتؤثر على قيمة العقار، وتزيد من مخاطر الاستثمار في مناطق غير منظمة.
كما تؤكد تقارير ميدانية لوزارة الداخلية أن البناء غير القانوني يؤدي إلى فاقد مالي كبير للجماعات الترابية نتيجة ضياع الرسوم والجبايات المرتبطة برخص التعمير، مما يجعل ضبط المخالفات جزءاً من حماية مالية الدولة وترشيد النفقات العمومية.
ولا ينفصل هذا التحول القانوني عن البعد الاجتماعي للمسألة العمرانية، حيث يساهم ضبط المخالفات في الحد من النزاعات بين الجيران، ومنع التوسع العشوائي، وضمان جودة العيش داخل الأحياء، بما ينسجم مع سياسة الدولة في تعزيز العدالة المجالية والعيش الكريم، وهي سياسة أكدها خطاب العرش لسنة 2022 الذي شدد فيه جلالة الملك محمد السادس على ضرورة الارتقاء بجودة السكن والتخطيط الترابي وفق معايير حديثة ومستدامة.
ويبرز من خلال هذا التطور التشريعي أن الصفة الضبطية لضباط الشرطة القضائية في القانون 66.12 ليست مجرد إضافة تقنية، بل هي جزء من رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى تحصين المجال العمراني، وتعزيز حكامة المدن، وتدعيم الشفافية، ومحاربة الفوضى العمرانية التي تضر بالاقتصاد والمجتمع والمجال.
فبتكامل دور الضابطة القضائية مع دور الجماعات الترابية والوكالات الحضرية والسلطات الإدارية، أصبح المغرب اليوم يتوفر على منظومة مراقبة عمرانية متطورة، تجمع بين قوة القانون، وفعالية التدخل، واحترام الضمانات القانونية للأفراد.
ومن ثم يمكن القول إن إدماج ضباط الشرطة القضائية في آليات مراقبة التعمير يشكل خياراً استراتيجياً يعكس التزام الدولة المغربية بحماية العمران، والحد من التجاوزات، وترسيخ دولة الحق، وضمان سلامة المواطنين، وتوجيه التنمية الترابية نحو نموذج مستدام يقوم على الشفافية، والعدالة، والصرامة القانونية.
تعليقات الزوار