السياسة المائية بين الرهان الاستراتيجي والالتزام الدستوري: قراءة تحليلية في توجهات مشروع قانون المالية لسنة 2026

اسليماني مولاي عبد الله – الرشيدية
تشكل السياسة المائية اليوم أحد أعمدة الأمن الاستراتيجي للمملكة المغربية، باعتبارها رافعة حيوية لضمان الاستقرار الاجتماعي ودعم النمو الاقتصادي وتعزيز السيادة البيئية.
وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن القطاعات الحكومية المختصة، إضافة إلى الدراسات القانونية والاقتصادية الموثقة داخل الخزانة، إلى أن إدارة الموارد المائية أصبحت أولوية قصوى في ظل التغيرات المناخية الحادة التي يعرفها المغرب، وتراجع التساقطات، وارتفاع الطلب على الماء في قطاعات الفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة والمجال الحضري.
هذه التحولات تقاطعت بشكل واضح مع توجهات مشروع قانون المالية لسنة 2026 الذي حمل إجراءات مالية وتشريعية تتماشى مع الرؤية الملكية السامية الداعية إلى إرساء حكامة مائية متقدمة وربط الاستثمار بمقاربة الاستدامة، في انسجام مع المبادئ الدستورية المتعلقة بالحق في الماء والعيش الكريم.
لقد رسخت الدولة المغربية، من خلال سلسلة إصلاحات متدرجة ومصادق عليها رسمياً، مساراً جديداً يرتكز على الانتقال من إدارة الندرة إلى بناء منظومة متكاملة لتعبئة الموارد المائية، وتقوية البنية التحتية عبر السدود والربط بين الأحواض المائية، وتطوير محطات تحلية مياه البحر، ودعم استعمال الطاقات المتجددة في الرفع من نجاعة المعالجة والتوزيع.
وتؤكد الوثائق الحكومية والمرجعيات القانونية مثل القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء – وهو المرجع الأساسي المنظم للقطاع – أن المغرب يتجه نحو سياسة مائية متقدمة تجمع بين الاستشراف والابتكار والعدالة المائية المجالية، بما يسمح بتحقيق الأمن المائي في أفق 2030، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات المناخية وضمان استمرارية خدمات الماء في مختلف الجهات.
ويأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026 ليترجم هذا التوجه من خلال ربط الاستثمار العمومي بمجالات التعبئة والتثمين والحماية، مع تركيز خاص على تطوير شبكات التطهير السائل، وتقليص ضياع الماء، وتعميم العدادات الذكية، وتدعيم برامج الاقتصاد في الماء داخل الفلاحة والمجال العمراني والصناعة.
كما يواصل المشروع دعم الاستثمارات المتعلقة بالطاقة النظيفة في قطاع الماء—وهو ما تؤكده المراجع الوطنية والتقارير الدولية الموثقة—كما ينسجم مع الإطار الجديد للتمويل الأخضر المعتمد من طرف المملكة، ويعزز الدينامية التي تقودها الدولة لتكييف المنظومة المالية والجبائية مع التحديات البيئية.
إن الدولة المغربية برهنت خلال السنوات الأخيرة على إرادة قوية في تحويل إشكالية الماء من موضوع تقني إلى ورش وطني استراتيجي، حيث عززت المقاربة التشاركية بين مختلف القطاعات الوزارية، وربطت التخطيط المائي بالتحولات الديمغرافية وخرائط الاستثمار والعدالة المجالية.
كما عملت على دعم البحث العلمي والمختبرات الوطنية والدولية بهدف تطوير تقنيات حديثة لمعالجة المياه غير التقليدية، في انسجام مع التوجه العالمي نحو الاقتصاد الأزرق والاقتصاد الأخضر، وهو ما تشير إليه وثائق الخزانة القانونية والعلمية المعتمدة.
وتبرز مستجدات 2026 أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو نموذج جديد للسياسة المائية يقوم على دمج المقاربات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، والارتقاء بالموارد المائية إلى مستوى رأس مال استراتيجي لا يقل أهمية عن الطاقة والأمن الغذائي.
وقد أكد ذلك المسار الإصلاحي المتدرج الذي اعتمدته المملكة من خلال إصلاح منظومة التحصيل الجبائي المرتبط بالقطاع، وتحديث أدوات التقييم والتدبير، واعتماد رؤية استشرافية شاملة ترتكز على التخطيط بعيد المدى، مع تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وفق قواعد شفافة ومؤطرة بالقانون.
إن المرحلة الراهنة تفرض تعميق الوعي المجتمعي بقيمة الماء وترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول، انسجاماً مع التوجهات الوطنية التي تعتبر الماء ثروة وطنية مشتركة ومسؤولية جماعية.
وهذا التوجه ليس شعاراً بل خياراً استراتيجياً تدعمه النصوص الدستورية والمراسيم التنظيمية والتقارير الوطنية التي تؤكد ضرورة تسريع الإصلاحات وتجويد الحكامة المائية في كل الجهات.
وبناء على هذه الرؤية المتكاملة، يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2026 محطة جديدة لترسيخ الأمن المائي، وتطوير البنيات والخدمات، والارتقاء بالحكامة، وتثمين الموارد، مع جعل المواطن في قلب السياسات العمومية.
إنه مسار وطني حقيقي يعكس دينامية الدولة المغربية ورؤيتها بعيدة المدى، ويمثل خطوة جديدة نحو ضمان حق الأجيال القادمة في الماء، وتعزيز مكانة المغرب كدولة رائدة في مواجهة التحديات البيئية بمنطق الاستشراف والابتكار والمسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد