الرشيدية: حين تُنهب أرض أيت زدك باسم الاستثمار والسلطات تكتفي بالمشاهدة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في عمق إقليم الرشيدية، وتحديداً في مناطق أيت زدك بمختلف فروعها، تتكرر مأساة عقارية عنوانها العريض: الأرض تُنتزع من أهلها الأصليين وتُمنح لغرباء باسم الاستثمار، بينما تتحول سلطات الوصاية إلى متفرج صامت، أو شريك غير معلن في عمليات استنزاف مستمرة لا تستفيد منها الساكنة، ولا تعود بأي تنمية على الإقليم.
ما يجري اليوم في أيت زدك ليس مجرد خلاف حول عقارات سلالية، بل حرب باردة على الوجود والهويات الجماعية. فالأراضي الممتدة من دائرة أيت زدك كير بودنيب، إلى أراضي قصر السوق الشرقية والغربية، مروراً بتاكنيت وأمان تكني والرحبة وبوبرنوص، تُمنح وتُقاسَم كما لو كانت غنائم حرب، لا ملكاً جماعياً محمياً بظهير 18 فبراير 1924 الذي كان يفترض أن يصون الحق ويمنع التلاعب.
ورغم وضوح النصوص القانونية التي تُلزم سلطات الوصاية بحماية هذه الأملاك، فإن الواقع يكشف عكس ذلك تماماً. إذ صارت هذه الأراضي، التي كان يمكن أن تكون رافعة للتنمية، وليمة مفتوحة أمام مافيات الأراضي السلالية، التي لا تتردد في استخدام كل الوسائل: نفوذ، علاقات، ترتيبات في الكواليس، ووعود استثمارية سرعان ما تتبخر بعد الاستيلاء على العقار.
في مقابل ذلك، يعيش أهل أيت زدك وضعاً شاذاً: فهم ملاك على الورق، ومقصيون على أرض الواقع. يحضرون فقط في خانة “الاستشارة الشكلية”، ويغيبون حين يتعلق الأمر بقرارات تمنح أراضي أجدادهم لأشخاص لا يعرفون أين تقع المنطقة أصلاً.
والأدهى أن مشاريع الاستثمار التي تُمنح من أجلها هذه الأراضي، تبقى في الغالب مجرد لافتات معلقة وصور على الورق، بينما يستمر الحرث الفعلي في جيوب من يعرفون كيف تُدار شبكات الاستغلال العقاري.
المخطط الأخضر، الذي كان من المفترض أن يكون عنواناً للنهوض بالإقليم وإخراج ساكنته من الهشاشة الاقتصادية، تحوّل إلى مخطط أسود بالنسبة لأهالي أيت زدك.
فبدل أن يفتح أبواب الشغل ويوفر مشاريع فلاحية منتجة، فتح أبواب النهب المنظم وشرعن وجود لوبيات تتدخل في توزيع الأراضي كما تشاء، دون حسيب ولا رقيب.
وحين يتساءل أبناء المنطقة عن دور سلطات الوصاية، يجدون أنفسهم أمام إجابات ضبابية، وسلسلة من المبررات التي لا تصمد أمام الواقع. إذ كيف يمكن تفسير تنازل الجماعة السلالية عن مئات الهكتارات، دون أي ضمانات حقيقية، ودون إشراك فعلي لأصحاب الأرض؟ وكيف تُمنح مشاريع لمستثمرين لا يملكون حتى القدرة على احترام دفاتر التحملات، بينما يُقصى أبناء المنطقة القادرون على الاستثمار فعلياً؟
إن ما يحدث اليوم في أيت زدك هو نزيف صامت، يهدد السلم الاجتماعي قبل أي شيء آخر. فالأرض ليست مجرد تربة؛ بل ذاكرة وهوية وامتداد تاريخي لا يمكن العبث به.
وإذا لم تتحرك السلطات سريعاً لاستعادة هيبتها ووقف التلاعبات، فإن المستقبل قد يحمل احتقاناً اجتماعياً لا تُحمد عقباه.
أهالي أيت زدك لا يطلبون المستحيل؛ يطلبون فقط: استرجاع أراضيهم، ووقف عبث اللوبيات، وتطبيق القانون… ولا شيء غير القانون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد