سردية الإصلاح أم وهمه؟ اليحياوي يضع الجل الجديد للتنمية الترابية أمام محكمة العقل
هبة زووم – الرباط
يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك الخطاب الرسمي حول “الإصلاح” و”التجديد”، عبر تدوينات نقدية لاذعة باتت تشكل مرآة حادة تعكس اختلالات التسيير العمومي بالمغرب. وفي أحدث تدخلاته، وجّه اليحياوي سهام نقده إلى ما يُروج له باعتباره “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية”، معتبراً أن الأمر لا يعدو أن يكون سردية لغوية جديدة لإعادة إنتاج نموذج قديم ثبت فشله.
ويرى اليحياوي أن الحديث عن “جيل جديد” يُراد به إيهام الرأي العام بحدوث قطيعة مع الماضي، في حين أن الواقع لا يتجاوز – بحسبه – محاولة تسويق نسخة “موسعة” و”منمقة” من برامج سابقة، لم تحقق لا العدالة المجالية ولا التنمية المنشودة.
فالتنمية، كما تُقدَّم في الخطاب الرسمي، تُراهن على محاور كبرى من قبيل الاقتصاد، البيئة، التشغيل والتنمية الترابية، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في العناوين، بل في منطق التنفيذ ومن يتحكم في مفاتيحه.
ويضع اليحياوي ولاة الجهات وعمال الأقاليم في قلب هذا النقاش، ليس باعتبارهم حلاً، بل باعتبارهم – تاريخياً – جزءاً من الإشكال البنيوي المرتبط بإنتاج الثروة وتوزيعها.
فهؤلاء، وفق توصيفه، راكموا سلطات واسعة تجعل كلمتهم فوق كل اعتبار، سواء تعلق الأمر بمنتخبين أو أعيان محليين، في ظل غياب أي آليات فعلية للمحاسبة.
ويثير الأكاديمي إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة السلطة الترابية نفسها، باعتبارها سلطة معينة غير منتخبة، لا تخضع لمنطق المساءلة الديمقراطية، وتشتغل في منأى عن أي تقييم حقيقي للأثر أو النتائج.
فالولاة والعمال، كما يقول، “يصولون ويجولون طيلة مدة انتدابهم، ثم يرحلون دون مساءلة”، حتى في الحالات التي تُثار حولهم شبهات أو تُسجَّل اختلالات جسيمة.
الأخطر في نظر اليحياوي، أن “الجيل الجديد” من برامج التنمية الترابية لا يبشر بتحول في الفلسفة العامة للتنمية، بل يعيد تكريس مقاربة أمنية خالصة، تجعل من “الأمن” مدخلاً للتنمية، وليس نتيجة طبيعية لها.
وهو منطق يرى فيه استمراراً لتصور قديم، يُحدد فيه الهاجس الأمني شكل المشاريع، وتوجه الاستثمارات، وحدود المسموح والممنوع في السياسات الترابية.
وبهذا المعنى، تصبح التنمية، وفق هذا المنظور، مجرد امتداد لوظيفة الضبط والتحكم، لا أداة للتحرر الاقتصادي والاجتماعي، بينما تُختزل النظريات الاقتصادية الحديثة، والمقاربات التشاركية، والحكامة الترابية، في شعارات لا تجد طريقها إلى التطبيق.
تدوينة اليحياوي لا تهاجم فقط مضمون البرامج، بل تضع النموذج برمته موضع مساءلة: هل يمكن الحديث عن تنمية ترابية حقيقية دون ديمقراطية محلية فعلية؟ وهل يمكن إقناع المواطنين بجدوى “أجيال جديدة” من البرامج، في ظل نفس الفاعلين، ونفس أدوات القرار، ونفس منطق السلطة؟
أسئلة محرجة، لكنها ضرورية، في لحظة يبدو فيها أن تغيير المصطلحات يسبق بكثير تغيير السياسات.