اسليماني م.عبدالله – الرشيدية
رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على إدماج قصر أولاد الحاج ضمن المجال الحضري لمدينة الرشيدية سنة 1992، لا يزال هذا الحي يعيش وضعية تهميش صارخة، تكشف عن فجوة عميقة بين القرارات الإدارية والواقع الميداني.
فالقصر، الذي يُفترض أن يكون جزءًا من النسيج الحضري المستفيد من برامج التأهيل والخدمات الأساسية، ما زال إلى اليوم يعاني من أعطاب بنيوية خطيرة تمس السكن والبنية التحتية وشروط العيش الكريم.
وتبرز معالم هذا الإقصاء الحضري بشكل جلي من خلال انتشار منازل آيلة للسقوط، وطرق غير مهيأة، وغياب شبه كلي لشبكات تصريف مياه الأمطار.
ومع أولى التساقطات المطرية، تتحول الأزقة والمسالك إلى برك مائية ومجاري طينية، تعزل الساكنة وتضاعف معاناتها اليومية، في مشهد يتكرر كل موسم دون أي معالجة جذرية.
المياه الراكدة تتسرب إلى أساسات المنازل الطينية القديمة، ما يرفع منسوب الخطر على سلامة السكان، خصوصًا الأطفال والمسنين، ويجعل احتمال الانهيارات حاضرًا في كل لحظة.
هذه الوضعية، التي توثقها الصور الميدانية وشهادات الساكنة، لم تعد حالة استثنائية أو ظرفية، بل أصبحت واقعًا دائمًا يعكس غياب تدخلات وقائية وهيكلية حقيقية.
ورغم خطورة الأوضاع، تسجل ساكنة قصر أولاد الحاج غيابًا مقلقًا لمجلس جماعة الرشيدية، سواء على مستوى البرمجة أو التنفيذ أو حتى التواصل.
ويزداد هذا الغياب إثارة للاستغراب بالنظر إلى أن رئيس المجلس الجماعي سبق له القيام بزيارة ميدانية للقصر، واطلع بشكل مباشر على حجم الخصاص والمخاطر المحدقة بالساكنة، دون أن تترجم تلك الزيارة إلى إجراءات عملية أو مشاريع مستعجلة.
كما سبق للقصر أن حظي بزيارة رسمية لوزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة السابق، نبيل بن عبد الله، في سياق الحديث عن السكن غير اللائق ومحاربة الهشاشة العمرانية.
غير أن هذه الزيارة، ورغم رمزيتها السياسية والمؤسساتية، لم تُفضِ إلى إدماج فعلي للقصر في برامج إعادة الهيكلة أو معالجة السكن الآيل للسقوط، ما عمّق شعور الساكنة بالإقصاء ورسّخ الإحساس بأن الحي خارج أولويات السياسات الحضرية المحلية.
إن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول الحكامة المحلية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى التزام الجماعة الترابية بواجباتها القانونية والأخلاقية في ضمان الحق في السكن اللائق والعيش الكريم، كما ينص على ذلك الدستور المغربي وتوجهات سياسة المدينة.
فالإدماج الحضري لا ينبغي أن يظل حبرًا على وثائق التعمير، بل يجب أن يُترجم إلى استثمارات ملموسة في البنية التحتية، وبرامج لإعادة تأهيل الأحياء الهشة، ومقاربة تشاركية تُشرك الساكنة في تشخيص الإشكالات وتتبع الحلول.
اليوم، ومع تزايد المخاطر المرتبطة بالمنازل الآيلة للسقوط والفيضانات الحضرية، يصبح التأخير في التدخل تهديدًا مباشرًا للأرواح، ومسؤولية لا يمكن تبريرها بالمساطر أو الإكراهات المالية.
فقصر أولاد الحاج، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من مدينة الرشيدية منذ أكثر من ثلاثة عقود، يستحق أن يُعامل كحيّ حضري كامل الحقوق، لا كهامش منسي داخل المدينة.
إن إنصاف قصر أولاد الحاج لم يعد ترفًا سياسيًا ولا مطلبًا فئوياً، بل ضرورة إنسانية وتنموية، واختبارًا حقيقيًا لجدية مجلس جماعة الرشيدية وباقي المتدخلين في الانتقال من منطق الزيارات والصمت إلى منطق الفعل العاجل والمسؤول.
