هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في الرشيدية، لم تعد الأزمات تحتاج إلى شروح أو بيانات تفسيرية، فهي حاضرة في تفاصيل العيش اليومي، من سوق الخضر إلى فواتير الماء والكهرباء، ومن كلفة النقل إلى أبسط متطلبات الكرامة الإنسانية.
غير أن ما يفاقم الإحساس بالظلم ليس الغلاء في حد ذاته، بل الكيفية التي يُدار بها، ومن يتحمل كلفته كاملة، ومن ينجو من تبعاته، بل ويحوّله أحياناً إلى فرصة للربح.
الغلاء في الرشيدية لم يعد ظرفاً عابراً مرتبطاً بتقلبات السوق أو بالأزمات العالمية، بل تحول إلى واقع دائم يضغط على الفئات الهشة والمتوسطة، في مدينة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية، وندرة فرص الشغل، وضعف الاستثمار المنتج.
المواطن البسيط وجد نفسه محاصراً بين أسعار تواصل الارتفاع ودخل لا يواكب، في غياب سياسات محلية قادرة على امتصاص الصدمة أو توفير بدائل اقتصادية حقيقية.
في المقابل، تبرز صورة أخرى مغايرة لنخبة سياسية واقتصادية تعيش خارج هذا السياق، بمنأى عن تقلبات الأسعار ومعاناة الأسر، وهي مفارقة تُغذي الإحساس بأن الغلاء لا يُوزع بعدالة، وأن تبعاته تُحمَّل دائماً للطرف الأضعف في المعادلة.
الحديث عن الفساد في الرشيدية لم يعد ترفاً خطابياً ولا مزايدة سياسية، بل صار جزءاً من الوعي اليومي للمواطنينـ صفقات عمومية يلفها الغموض، مشاريع تُعلن بحماس ثم تختفي دون أثر، وأخرى تُنجز شكلياً دون قيمة تنموية حقيقية، في وقت تتبخر فيه الميزانيات وتُستنزف الموارد، دون محاسبة واضحة أو مساءلة جادة.
وسط هذا المشهد، يتعزز الاعتقاد بأن الغلاء ليس فقط نتاج عوامل خارجية، بل أيضاً نتيجة مباشرة لاختلالات داخلية وسوء تدبير مزمن.
وحين تُستحضر كلمة “الأزمة” في الخطاب الرسمي، غالباً ما تُقدَّم باعتبارها أزمة عالمية لا يد للمسؤول المحلي فيها، غير أن هذا التبرير يصطدم بواقع يومي يُظهر أن آثار الأزمة لا تطال الجميع بنفس القدر.
فالمواطن يُطالَب بشد الحزام، وتحمل التضحيات، والتكيف مع الغلاء، بينما تستمر فئات محدودة في توسيع امتيازاتها، مستفيدة من اقتصاد الريع وضعف آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في الرشيدية، يشعر المواطن اليوم أنه الحلقة الأضعف في معادلة مختلة: يدفع ثمن ارتفاع المحروقات دون تحسن في خدمات النقل، ويتحمل غلاء المواد الأساسية دون حماية حقيقية لقدراته الشرائية، ويُطالَب بالصبر في مواجهة أزمة لا يرى انعكاساتها إلا على مستوى معيشه، لا على نمط عيش من يُفترض أنهم يدبرون الشأن العام.
الأخطر من ذلك أن هذا الواقع يُنتج تطبيعاً خطيراً مع المعاناة، حيث يتحول الغلاء إلى خبر عادي، والفساد إلى اتهام متداول بلا نتائج، فيما تتآكل الثقة في السياسة والمؤسسات.
وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل المدينة، وجدوى السياسات العمومية التي لا تنجح في كبح الغلاء ولا في تجفيف منابع الفساد.
إن الرشيدية اليوم لا تحتاج إلى خطابات تبريرية أو وعود موسمية، بقدر ما تحتاج إلى قرارات جريئة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع مصلحة المواطن في صلب أي تصور تنموي.
فاستمرار الوضع على ما هو عليه لا يعني سوى تعميق الأزمة، واتساع دائرة الفساد، وترك المواطن وحيداً في مواجهة واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.
تعليقات الزوار