هبة زووم – أحمد الفيلالي
لا يكاد المواطن المسكيني يطأ عتبة قيادة بني مسكين الشرقية، حتى يغادرها بإحساس ثقيل مفاده أن الأمور هنا لا تسير، بل تُدار بمنطق التعقيد المقصود، أوراق تُطلب دون سند واضح، مساطر تتبدل دون إشعار، مواعيد تُؤجَّل بلا تعليل، وعبارة جاهزة تختصر فلسفة الإدارة: “رجع غدا”.
ما يحدث داخل هذه الإدارة لم يعد مجرد ارتباك عابر أو خلل ظرفي، بل أصبح، في نظر الساكنة، أسلوب تدبير قائم الذات، تُستعمل فيه البيروقراطية كآلية غير معلنة لإرهاق المواطن، واستنزاف وقته، ودفعه في نهاية المطاف إلى الاستسلام، أو البحث عن “طرق مختصرة” خارج المسار القانوني.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما يجري ناتج عن ضعف في الكفاءة وسوء في التدبير؟ أم أننا أمام بيروقراطية مُقنَّنة، تُمارَس بوعي أو بلا وعي، لكنها تؤدي وظيفة واحدة: ضبط المجتمع عبر التعقيد؟
ففي جوهرها، وُجدت الإدارة لتقريب الخدمة من المواطن، وتحويل القانون إلى ممارسة يومية عادلة، لا إلى متاهة مرهقة، غير أن الواقع يكشف مفارقة صارخة: كلما كان الحق واضحًا، ازدادت المسطرة تعقيدًا، وكأن المواطن مطالب بإثبات استحقاقه لما يفترض أنه مضمون أصلًا.
في ملفات إدارية بسيطة، من قبيل الحصول على شهادة إدارية، يتحول المسار إلى رحلة استنزاف نفسي وزمني، لا شروحات دقيقة، لا آجال مضبوطة، ولا مسؤول يملك الجرأة لتحمل القرار، هنا تتجلى أخطر مظاهر البيروقراطية المغربية: ضبابية المسؤولية. الجميع ينفّذ، ولا أحد يقرّر. الجميع يُحيل، ولا أحد يُحاسَب.
وفي غياب القرار، يُترك المواطن معلقًا بين الشباك والملف، بين الانتظار واللايقين، في ممارسة يومية تُراكم الإحباط، وتُقوّض الثقة في الإدارة كمرفق عمومي.
يزداد منسوب الاستياء حين تُطرح أسئلة مشروعة حول طريقة تدبير قيادة بني مسكين الشرقية من خارج مجالها الترابي، حيث تؤكد الساكنة أن القائد يقطن بخريبكة، ما يثير تساؤلات حقيقية حول معنى القرب الإداري، وحول جدية الحديث الرسمي عن “الإدارة المواطِنة” و”تقريب الخدمات”
فكيف يمكن لإدارة أن تستجيب لانشغالات المواطنين اليومية، وهي تُدار فعليًا بـ”التحكم عن بعد”؟ وكيف تُبرَّر معاناة الساكنة في التنقل والانتظار، في مقابل غياب فعلي للمسؤول الأول عن تدبير شؤونهم الإدارية؟
الإصلاح الحقيقي للإدارة لا يبدأ بإصدار الدوريات ولا بتغيير المسميات، بل بتغيير الفلسفة: تبسيط بدل التعقيد، وضوح بدل الغموض، مسؤولية بدل تمييع، وخدمة عمومية بدل سلطة بيروقراطية.
أما استمرار الوضع على ما هو عليه، فلن ينتج سوى مزيد من الدوران في الحلقة المفرغة نفسها، حيث يُدفع المواطن إلى الإنهاك، لا لشيء سوى لأنه طالب بحقه.
خلاصة القول، إن البيروقراطية في بني مسكين الشرقية، كما في مناطق أخرى، لم تعد تُختزل في خلل إداري عابر، بل تحولت في نظر كثيرين إلى أسلوب تدبير يُؤجِّل الحقوق ويستنزف الكرامة.
وبين العجز وسوء الاختيار، يظل الثابت الوحيد أن الإصلاح لم يعد ترفًا سياسيا، بل ضرورة تمس جوهر الثقة بين المواطن والدولة، وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى المواطن المسكيني يطرق الأبواب نفسها… ويعود بالجواب نفسه: “رجع غدا”.
تعليقات الزوار