هبة زووم – الرباط
عاد ملف التقاعد ليتصدر واجهة النقاش الاجتماعي، على وقع اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بدراسة هذا الورش الحساس، وسط تصاعد المخاوف من أن يتحول ما يُقدَّم كـ”إصلاح” إلى عبء جديد يُحمَّل مجددًا للطبقة العاملة، بدل معالجة الأعطاب البنيوية التي راكمتها سنوات من سوء التدبير وغياب الحكامة.
في هذا السياق، رفعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) سقف خطابها، مطالبة الحكومة بتحمّل مسؤوليتها الكاملة في استرجاع الأموال المنهوبة من صناديق التقاعد، بدل البحث عن حلول سهلة تقوم على تقليص الحقوق المكتسبة أو تحميل الأجراء والمتقاعدين كلفة اختلالات لم يكونوا سببًا فيها.
وخلال الاجتماع الأخير للجنة التقنية، حذّر ممثلو الكونفدرالية من غياب حكامة حقيقية في تدبير أنظمة التقاعد، معتبرين أن أي نقاش حول ديمومة الصناديق يظل منقوصًا ما لم يُفتح ملف المسؤوليات، ويُفَعَّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ما يتعلق بتبديد الموارد، والتهرب الاجتماعي، وعدم التصريح بآلاف الأجراء.
الكونفدرالية شددت، في هذا الإطار، على ضرورة تعزيز آليات التصريح الإجباري بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومحاربة كل أشكال التهرب الاجتماعي، التي تحرم الصناديق من موارد حيوية، وتُعمّق هشاشة فئات واسعة من العمال، خاصة في القطاعات غير المهيكلة.
ولم يغب ملف ضعف المعاشات عن مداخلات ممثلي CDT، الذين جددوا مطالبتهم برفع معاشات المتقاعدين، معتبرين أن الحديث عن “العيش الكريم” يظل شعارًا فارغًا، ما دامت آلاف المعاشات لا تؤمّن الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل الغلاء المتصاعد وتراجع القدرة الشرائية.
الاجتماع الثالث للجنة التقنية، الذي انعقد بمقر وزارة الاقتصاد والمالية، خُصص لتدارس التدابير المتخذة لتعزيز التصريح بالأجراء، وكذا تقييم مستويات المعاشات التي توفرها أنظمة التقاعد الحالية، غير أن الكونفدرالية عبّرت عن تحفظها إزاء أي مقاربة تقنية معزولة عن الحوار الاجتماعي الحقيقي.
وأكد بلاغ CDT أن موقفها ثابت في رفض أي مساس بمكتسبات الطبقة العاملة، محذّرة من إعادة إنتاج سيناريوهات سابقة، حيث جرى تمرير إصلاحات مؤلمة باسم “الضرورة المالية”، دون معالجة جذور الأزمة.
وفي هذا الصدد، سبق للمكتب التنفيذي للكونفدرالية أن نبّه إلى خطورة أي إصلاح لأنظمة التقاعد يتم خارج منطق التفاوض والتوافق، معتبراً أن الإقدام على خطوات أحادية سيؤدي حتمًا إلى توترات اجتماعية، ويمس بالحقوق المكتسبة للأجراء والموظفين.
في المقابل، كانت وزيرة الاقتصاد والمالية قد أكدت، خلال جلسة برلمانية سابقة، أن الحكومة لا تسعى إلى حلول ترقيعية، بل إلى “إصلاح جذري وهيكلي” يضمن ديمومة الصناديق ويحمي حقوق المتقاعدين الحاليين والمستقبليين. غير أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم، بحسب النقابات، بسجل من التأجيلات، حيث سبق للحكومة أن وعدت بإصلاح شامل لم يتحقق في الآجال المعلنة.
اليوم، ومع التزام الحكومة بإخراج إصلاح أنظمة التقاعد قبل متم أبريل 2026، كما ورد في مشروع قانون المالية، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل سيكون الإصلاح مدخلًا للإنصاف والحكامة، أم مجرد إعادة توزيع للأزمة على حساب الأجراء والمتقاعدين؟
تعليقات الزوار